البيت كله في حالة تأهب وكأنه ثكنة عسكرية تم إنذارها باشتعال الحرب ليأخذ كل شخص تجهيزاته وموقعه للقتال. أمها تصرخ في أخيها الذي تأتأ في الإجابة على سؤال مراجعة ما قبل الاختبار (يا خسارة تعبي لو كنت حمار كان حفظت)، ومع كل تأتأة من أخيها تغمض أختها الصغرى عينيها استعدادا لمواجهة الألم الذي ستشعر به حين تبدأ أمها بالصراخ وهي تمشط لها شعرها، وهنا بدأ المغص..
والدها يلقي خطابه المعتاد (في الاختبار يكرم المرء أو يهان، شدوا حيلكم وإلا حتطلعو فراشين تكنسوا الشوارع)، شعرت بالمغص يزداد. أمسكت الكتاب في السيارة تحاول المراجعة وهي تشعر أنها نست كل ما ذاكرته والمغص يزداد. دخلت قاعة الاختبار على صوت المدرسة تصرخ (ترا أنا عندي عينين في راسي من ورا فيا ويلها اللي تفكر تغش)، والمغص يزداد. بدأ توزيع أوراق الاختبار، وقلبت ورقتها لتجد أنه اختبار تاريخ وأنها بالخطأ ذاكرت لغة إنجليزية. وهنا استيقظت فزعة والمغص يلوي أحشاءها، لتنظر حولها في ذهول لتكتشف أنه كان كابوسا! استعاذت بالله وقامت وهي «تحسبن» على ذلك الكابوس الذي يهاجمها كلما جاء موسم اختبارات أولادها.
إن اختبار المهارات كان وما زال موجودا منذ قبائل المايا البدائية التي كانت تختبر قدرات اليافعين بأن ترسلهم وحدهم في رحلة للصيد، فإن عاد الواحد منهم غانما فجائزته الاعتراف به كرجل، وإن عاد بدون شيء فهو فاشل وكان الأكرم له لو أنه لم يعد. أعتقد أننا للأسف ما زلنا في العصر الحديث مع كل هذا العلم والتطور نتبع قبائل المايا البدائية في الحكم على الطلاب بالفشل أو النجاح من خلال اختبار موحد لمهاراتهم المختلفة، مع وجود الفرق بأن العهد القديم كان يقدر الذكاء العملي، والعصر الحديث يقدر الذكاء العلمي.
فرفقا أيها الآباء والأمهات بقدرات أولادكم، رفقا بشخصيات وفروق فردية، تشجيعكم وتقبلكم لها قد يوصلها هام السماء، وضغطكم ومقارناتكم قد تخسف بها الأرض، فحظ أولادكم أنهم أتوا في عصر انقلبت فيه الموازين، حيث أصبح الامتحان يعتمد الحفظ دلالة على الذكاء، وأصبحت المطالبة بالفهم دلالة على الغباء.
امتحان في القولون
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
