درجت القاعدة أن يكتب القرّاء عن صحيفتهم المفضلة والتي يكنّون لها الولاء، فتأتي كلماتهم الصادقة مشعّة بالحب والثناء. ولكن هذه التجربة الفريدة المتمثلة في صحيفة “مكة” باعتبارها تجربة مختلفة وأكثر خصوصية في عالم الصحافة السعودية، والعربية في وقتنا الحالي، تجبرني أن أزجي كلماتي ككاتبة رغم أنّ شهادتي فيها قد تكون مجروحة.
ما أدركه طاقم التحرير ومنذ البداية عند تفاعل القراء مع “مكة”، أنّ هذه الصحيفة ليست لهم وحدهم، فكثير من الكتاب أوعزوا في بداياتها أنّها صحيفة تنتمي للقراء في المقام الأول. وهذه تجربة غاية في الدهشة، يقابلك أحدهم أو يراسلك ليحلّل ما كتبت، يوافق أو يعترض ويفرج عن أفكاره. من هنا يمكن فهم الرؤية الكتابية لـ”مكة” كرسالة صحفية اختار القائمون على أمرها هذا التاريخ من ربيع الأوّل العام الماضي 1435 لانطلاقتها، وهو ذات التاريخ العريق الذي يمتد لنحو 57 عاما ً في مسيرة الصحافة السعودية.
ولعل ما يثير في أمر الصحافة في العالم كله، هو أنّ القارئ لا يتحمل وحده تبعة الكساد، فهناك قدر مأساوي يواجه صناعة الصحافة ليس في المملكة العربية السعودية وحدها، وإنّما في العالم أجمع. لكن هناك دوماً حالات استثنائية ومفاجئة، فما لفت الانتباه أنّ “مكة” فضّلت أن تعطي القارئ كل ما يتمناه بين ثنايا صحيفة رصينة ومتزنة.
تسري كتابات “مكة” إلى قرائها ومتابعيها كتيارات من الشحنات العاطفية، تستمدها من المكوّن الثقافي والسياسي والقدسي لهذه المدينة التي تمثّل وتشمل كل وشائج المملكة ويتجمّع حولها كل مسلمي العالم. هذه الطاقة الإنسانية المتكاملة هي التي خلقت القدرة على التناسب والحوار مع هذه الحاضنة الثقافية والدينية. ولأنّها ليست كأي حاضنة أخرى، فإنّها تراهن على مقدرتها على التوازن وفتح أفق الحوار، وهذا وضع إدارة الصحيفة أمام تحدٍّ عظيم كان جميع طاقمها عند حسن الظن بهم فيما أنجزوه على أكمل وجه، وليس أدلّ على ذلك من حصاد هذه السنة متابعة وتفضيلا وولاء.
استطاعت “مكة” أن تفتح نافذة تفاعلية بينها والقارئ. وهذا التطور انفتح على ساحة حاسمة ومؤثرة في مسار الصحيفة وعلاقتها بالقراء، فتحول القارئ إلى مساهم أساسي في التخطيط والاختيار والتقييم. وهي حالة بالغة الأهمية للقارئ وللصحيفة معاً، فأصبح بمقدوره المشاركة في توجيه صحيفته نحو الأولويات والاحتياجات التي يراها، كما أصبح بمقدور الصحيفة أن تخطّط وتقدّر كل الاتجاهات، أو على الأقل تُحدث توازناً بين متطلبات القارئ وسياستها الخاصة.
منذ بداياتها لم يشك القارئ في وجود صحيفة باستراتيجية “مكة” قادرة على أن تلبي آمال إدارة التحرير بمجملها في أن ترعى هذه المرتكزات الأساسية. ومما ساعد على ذلك أنّ المعرفة بتاريخ صناعة الصحافة بالمملكة جعلت القائمين على أمر هذه الصحيفة يرعون صعود نسبة القراء منذ البداية والتي فاقت كل التوقعات. ولذلك استوعبت الصحيفة بإدراكها لقيمها ومبادئها التي رعتها ومنذ نشأتها الأولى، في أن تُشرك القارئ في خلق رؤية واضحة ومفهومة للأهداف المطلوب تحقيقها خلال هذه المرحلة ومكانة الصحيفة ووضعها التنافسي في السوق.
كان وما زال حماس الكتّاب وعزيمة إدارة التحرير، بالإضافة إلى تفاعل القراء هي أدوات التشجيع على التجويد كقرار اتخذه الجميع بشكل جلي لا ضبابية فيه. ولأن تبقى “مكة” تصنع الكلمة المسؤولة والرأي الحر وتقدم الخبر الرصين، والتعليق الحاذق، فهذا دليل على أنّ الكل شركاء في ذات المسؤولية والنتائج حتى تصل معادلة رسالة الصحيفة لغايتها المرتجاة.
إنّ الإطلالة عبر صحيفة “مكة” العريقة مع كوكبة ميمونة من الكتاب ذوي الباع الطويل في الكتابة الصحفية تُلزم بتجديد العهد، بأن يكون هدف الكاتب التوفيق في تقديم ما يفيد ويُمتع مع الالتزام بشرف المهنة والذود عن كلمة الحق في سبيل رفعة “مكة” التي تحتضن الجميع ولم يضق وعاؤها عن كاتب يوماً ما، كما لم تضع بين الكلمة والقارئ أي حجاب.
"مكة" بعيون كتّابها
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
