في زاويته الجذابة التي تقع في ظهر هذه الصحيفة مكانا، مع أنها في قلبها قيمة ومضمونا، قرأت للمبدع محمد السحيمي ثلاثة مقالات عناوينها (لا تكفى بعد ابن شايق، ويفنى الشخص والإبداع باق، وأي محمد النفيعي مات؟) وثانيها كان عن الشاعر الكبير المرحوم رشيد الزلامي، وتأكدت من خلال ما ساقه الكاتب في ثنايا المقالات أنه ليس محمدا السحيمي الذي نعرفه مثقفا نخبويا فحسب، وإنما هو أيضا عاشق للثقافة الشعبية، عارف بتفاصيلها ودقائقها، كيف لا وهو ابنها العروبي الأصيل؟! كما تيقنت أنه مؤمن بأن التجربة والفعل والتأثير ليست حكرا على أحد ولا مرتبطة بورقة بيضاء (شهادة علمية).
عند ذلك تذكرت أمرين، أولهما ما يمارسه بعض المثقفين من إقصاء للفعل الثقافي الشعبي، إلى الحد الذي يجعلهم يرون مُنْتِج هذه الثقافة وكأنه كائن لا يدرك ولا يعي، وكأن ما يقدمه من نتاج عبث لا فائدة منه، والثاني: ما تتعرض له الساحة الشعبية اليوم من إساءة من بعض منتسبيها المحسوبين عليها.
وإذا ما عدنا إلى بعض الأحداث المعاصرة وجدنا أن أرباب الثقافة الشعبية (الواعين) كانوا على مستوى الوطن أكثر تأثيرا في الجمهور والمتلقين من المثقف النخبوي، ومَن مِنا لا يتذكر قصائد الشاعر خلف بن هذال العتيبي السياسية والحماسية التي ألهبت المشاعر، واستطاعت أن تكرس في نفوس أبناء الوطن الإيمان بالعديد من القضايا؟ ومَن مِنا يستطيع أن ينكر ما تلعبه القصائد والأهازيج الشعبية من تأثير ودور كبير في إعتاق الرقاب وإنهاء أشد الخلافات وأصعبها؟ ومن منا يستطيع أن ينكر عمق التجربة والفلسفة والوعي حينما يستمع إلى قصائد الأفذاذ كابن جدلان والزلامي؟ ثم من أين لنا أن نوثق اللهجات والأنساق الاجتماعية والثقافية السائدة إن لم تكن الثقافة الشعبية مادة لنا؟
ليس شرطا أن يكون الفاعل والمؤثر منتميا إلى مؤسسة ثقافية أو علمية أو إعلامية، فقد يكون إنسانا بسيطا في ذاته، لكنه فاعل في تأثيره، وقد يكون هذا المبدع الشعبي مشتملا على تجربة ثرية وعميقة كونتها معطيات لم تتهيأ لمن يسمى مثقف النخبة (إن صحت التسمية)، وقد يكون مستوى الوعي لدى هذا المبدع التلقائي غير المصنوع أكبر بكثير من مثقف النخبة.
رفقا بثقافتنا الشعبية؛ ففيها من المبادئ والمثل والوعي والفعل والتأثير ما نحتاجه ويحتاجه أبناء هذا الجيل بشدة، وإذا كانت هناك أصوات نشاز في هذه الثقافة تحترف (الهياط) فإنه ينبغي أن توضع في إطارها الخاص.
رفقا بثقافتنا الشعبية.. ثقافة الفعل والتأثير
مفلح زابن القحطاني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
