زيادة في البيان والتعليق على ما نشر في هذه الصحيفة عن وادي فاطمة بقلم كاتب هذه السطور أحببت أن أعلق على بعض الأمور ذات الصلة بالموضوع من جوانب أخرى.
كيفية وصول إنسان ما قبل التاريخ إلى وادي فاطمة هي ملاحظة جميلة من بعض المهتمين بآثار وادي فاطمة..فلا شك أن الإجابة سوف تكون خاضعة للفرضيات بسبب تداخل مجموعة واسعة جدا من الأنشطة البشرية المختلفة التي عمت الجزيرة العربية والهلال الخصيب حتى فلسطين منذ القدم، ولا بد أن تخضع للفرضيات، وبالتالي تخضع لتسلسل المؤثرات على خط هجرات الإنسان من الجنوب باتجاه الشمال باعتبار فرضية أن إنسان الجزيرة العربية قدم من أفريقيا عبر البحر إلى جنوب الجزيرة العربية عبر مضائق بحرية ثم تنقل عبر موجات كثيرة ومختلفة من الجنوب نحو الشمال، ولا نستبعد أن وصول الإنسان القديم لوادي فاطمة جاء من جنوب الجزيرة العربية وهذا ما ذهب إليه كثير من الآثاريين والمؤرخين.
ووقوع وادي فاطمة موازيا للبحر الأحمر وعلى نفس الخط المتصل مع المقومات الاستيطانية نكون قد بررنا شيئا من الفرضية (وتحتاج الفرضية لبحث أنثربيولوجي).
ولعل الأحاديث الإخبارية الواسعة في المصادر الكلاسيكية عن الهجرات العربية من اليمن (جنوب الجزيرة) صوب الشمال يدعم ما ذهبنا إليه وهي وإن كانت إخبارية تقترب من الأدب أكثر من قربها من التاريخ المادي الحقيقي لكنها تضمر عمقا تاريخيا قويا لا يمكن تجاهله خاصة في ظل دعم هائل من الأدلة الأثرية القوية مثل الأكواخ الحجرية واللقى المصنوعة الممتدة بمحاذاة البحر الأحمر.
ولا بأس من طرح فرضية أنهم يعودون للشعوب السامية ضمن تحقيب الأجناس البشرية...فهناك كثير من الدراسات التي تناولت منشطها اللغوي والحضاري وهجراتها ولدى العلماء توافق معقول في كونها مستوطنة في بعض نواحي الجزيرة العربية ولا شك أن وادي فاطمة من هذه المستوطنات.
ويغلب لديهم ظن يشبه اليقين أنه من الممكن أن نعثر على مردود علمي رائع لو ثابرنا في ترتيب التسلسل التاريخي لهذه الشعوب من خلال المعثورات الحجرية بوادي فاطمة.
ومكثنا جيدا في دراسة وظائف وأشكال اللقى الحجرية المنتشرة بشكل واسع في بعض نواحيه.
فمن خلال رؤيتي لبعض ما هو معروض في المتاحف المحلية المختلفة وما هو مطروح من مصورات عبر الشبكة يمكن أن أقول بأن هناك تطابقا في الوظائف والأشكال (النمط) بينها مما يفضي للتكهن بوحدة الجذر الحضاري والثقافي..مما يجبرنا على فرضية السؤال: هل الشعوب السامية التي قطنت هذه الأودية اتخذت ثقافة متقاربة في صناعة الأدوات الحجرية؟ ويمكن دراستها تمييزا عن غيرها على الأقل بوادي فاطمة؟ نعم من الممكن من خلال تحديد وظائف الأدوات الحجرية ودراسة أشكالها مع وظائفها لا يمكن أن نخذل أبدا حال تنفيذه مع التركيز على خاصية الأكواخ الحجرية الشبيه بالدوائر التي تفرد بها وادي فاطمة تقريبا دون غيره مما يعطينا تميزا حضاريا وثقافيا.
أما الرسوم والنقوش الصخرية النادرة فقد تسهم بشكل معقول في تبني مشروع التسلسل التاريخي وهي وإن كانت متأخرة كثيرا عن مستوى حضارة العصرين الآشولي والموستير على الأقل فلعلها خضعت في تكوينها لموروث ثقافي منقول أو متوارث، فما زلنا نرى الجمل في الرسوم وهو جزء من الثقافة السامية وكذلك صيغ الصيد.
ولكن الأهم بالنسبة لنا دراسة بعض أسماء الأمكنة بوادي فاطمة مثل اسم الإرام وهو مسمى لجبل يقع غرب الجموم، والحفر في الجذر اللغوي معجميا كان أو أثريا يعطينا إجابة أكثر شمولا مع تحليل مفردات معجمية أخرى قد تكون سامية قديمة...ولو حصل ذلك لقطعنا شوطا جيدا في تحديد ماهية هذه الشعوب.
وعندما نستجدي الموروث الثقافي الإسلامي نجد هناك بعض الملامح القابلة للاستئناس فقد ذكر الأزرقي عن ابن عباس قوله: (إن بمكة حي يقال لهم العماليق فكانوا في عزة وكثرة وثروة وكانت لهم أموال كثيرة ترعى بمكة وما حولها من مرّ ونعمان وما حول ذلك) ج1ص89 و(مر هو وادي فاطمة).
يمكن أن نتقبل هذه الرواية في سياقها الإخباري مدعومة ببعض الشواهد الأثرية، فالعماليق وإن دارت حولهم الأساطير، فالدراسات الإنسانية الحديثة تثبت أحيانا كثيرة أن الأساطير لها جذور مغرقة في القدم كملحمة جلجامش..فلربما يكون هناك عماليق سكنوا وادي فاطمة وفق ما ذكره ابن عباس فلن يكونوا إلا من الجنس السامي فرضا ما لم تثبت أدلة إنسانية تخالف هذا، فهم إن كانوا بوادي فاطمة أو نعمان مما نص عليه الأزرقي، فمن المرجح أنهم سكنوا الوادي في حقب متأخرة عن العصور الحجرية بمقياسها المعروف وقبل أن تنزل القبائل العربية الأخرى الوادي قبل الإسلام كقبيلة خزاعة وهي أقدم قبيلة عربية سكنت هذا الوادي في الجاهلية بموجب نصوص تاريخية، وفق نص حسان بن ثابت الأنصاري في قوله: ولما هبطنا بطن مر تخزعت خزاعة عنا في حلول كراكروبطن مر هي الجموم وما حولها، وهي من صميم الشعوب السامية وهذا يؤكد أن هذه الهجرات لم تكن عبثية أو جاءت مصادفة بل لعل لها جذور مغرقة في القدم تعود لأجدادهم القدماء الذين سكنوا الوادي ومارسوا نشاطهم الاستيطاني بشكل واسع وفق تشابه في صناعة منتجهم الحضاري.
ونحن مطمئنون أن هناك عناصر حضارية تفرد بها وادي فاطمة يمكن تمييزها من خلال ما هو متوفر من قراءات أثرية لمجموعة لقى ومنشآت حجرية.
ويلزمنا تحديد هذه العناصر وفرزها وضبط تاريخها من خلال الأدلة الأثرية المتوفرة.
التسلسل الحضاري بوادي فاطمة.. من الفرضيات إلى الأدلة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
