يشترك الكذابون والمؤدبون والمنافقون في استخدام جملة (لو سمحت) وما يرادفها من تعبيرات مثل (بعد إذنك) ونحو ذلك قبل البدء في استدراج من يتعاملون معه للحصول على ردة فعل مأمولة.
ونحن حين نركز على خُلق وأدبيات كلام يعجبنا أن يكون التعامل بهذا الشكل الذي يقلب مفهوم الحقوق إلى مننٍ يتفضل بها من نطلبه إياها فيعقب ذلك شكر غير مستحق مستدلين بأن شكر الناس شكر لله تعالى ليعلق التنظير المعوجّ بين مرجعية دين واستمساك عادات.
الأمر لمن يسبر أغوار الطبيعية النفسية للإنسان ويربط ذلك بما يتبادر للذهن نتيجة ممارسة العقل الباطن لنتائج من هذا القبيل جدُّ خطير على المدى البعيد الذي يبدو أننا وصلنا إليه في تعاملاتنا اليومية مع حياتنا العامة والخاصة.
جاء أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم ونادى بصوت مرتفع (يا محمد أعطنا مما أعطاك الله) وصاح رجل في عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين (اعدل يا عمر) وما كانت ردّتا الفعل في الحادثتين إلا احتواء نبيّ ذي خلق عظيم وحكمة صحابي جليل ذي نظرة بعيدة.
وليس إيراد ذلك لنقرّ غلظة التعامل ولا خشونة القول والطلب ولا صلف النّصح ولا التسرّع في الاعتراض إنما الجانب المضيء في هكذا حوادث بأن تربية الدين الإسلامي التي جاء بها من لا ينطق عن الهوى تلفت أنظار القلوب والعقول بأن من الحقوق ما لا يمكن أن يكون منحة مُحْسن ولا إنعام صاحب مال رغم أن للطلب وسائل.
ومن الحريّ قوله أن ولاة أمر هذه البلاد حرسها ربي السابقين منهم واللاحقين دأبوا على توضيح ذلك للشعب في كل أحاديثهم ابتداء بالملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله حتى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وفقه الله تعالى حين يصف حرصه بالتكليف لا التشريف وأن للمواطن حقا في مساءلة أي من مقدمي الخدمة له.
ومع كل هذه الشواهد وهذا التأصيل نجد كل العبارات التي يلوكها الإداريون حين يكتبون خطابات تتطلب قرار فعل واضح ويعجنها المتحدثون في حديثهم مع مديريهم ورؤسائهم توهم سامعيها وقارئيها بأن ما سيصدر من رئيس قسم الأرشيف في فرع دائرة بمركز في محافظة أنه (فرمان) إحسان أسبغه على مساكين ينتظرون.
اختزال العبارات وتركيز المكاتبات ورقيا أو الكترونيا بالولوج في المضمون المعتمد على نظام واضح يرفع من مستوى مهنية الأداء ويعبر عن ثقافة شعب تشغله التنمية ويهتم بالإنجاز بعيدا عن إضاعة الوقت في قراءة وكتابة سطري زيفٍ في مقدّمة وسطري مجاملةٍ في خاتمة.
لذلك فإن وجهة نظري استقرت بأن طلب السماح بـ(لو سمحت) وطلب الإذن بـ (بعد إذنك) حين ينجرفان ونحوهما في نمطية الحقوق والمستحقات والمعاملات بأشكال وألوان ابتدعها الراغبون في قلب حقيقة الحق إلى فرضيات التفضّل من أعتى أنواع الظلم لأجيال قادمة ستجد حظها من الهواء مِنّة أنوف أخرى حين تنام..
لو سمحت
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
