الكرم صفة يتميز بها أبناء الجزيرة العربية منذ قديم الزمان، فهم كريمو اﻷيدي والألسنة والأفعال والبشاشة، فكرمهم لا يخفى عن الأسماع والأنظار، لكنه ومع تعاقب الأجيال من زمن إلى زمن نلحظ بعضا من تفشي تلك الصفة، وحتى أصبحنا لا نكرم الضيف إلا بمقابل مادي أو معنوي، فكل من جاءنا من خارج الحد فهو ضيف علينا إكرامه، وإكرامه ليس حصرا على الأكل والشرب، ولا على الاستضافة في المنازل الخاصة، ولا على الاستقبال بالورود أثناء الوصول، بل يكون بإظهار وانعكاس عادات وتقاليد البلد الذي أنت في ظله تنعم بالسخاء والرخاء، ويكون أيضا بالاحترام والتقدير لكل من زارنا في هذا البلد المعطاء.
فبعضنا لا يعي كرم الاستضافة، فالفكرة الحسنة عن البلد قد تصنعها أنت بكلمة طيبة، والعكس فأنت الذي قد تكون سببا في إعطاء الفكرة السيئة عن البلد بكلمة سيئة، فالتعامل الطيب هو الذي يعكس كرم الأخلاق، وبعضنا عندما يسأله سائل عن شيء ما، يأتي بالإجابة على صفة سؤال تهكمي ليس على السائل نفسه، بل على صفة ينسبها إلى شخص ينتمي إلى بلد ما! فعندما يسأل عن سؤال يخص الذكاء وهو يعلم الإجابة، يجيب بسؤال تهكمي مثل: (شايفني بنقالي لا أستطيع الإجابة؟)، مضمون السؤال يعني أن جميع البنقاليين لا يفهمون، بل هم أغبياء على حد قوله، هذا فيه تهكم وسخرية على شعب كامل عدده يفوق الأربعة والستين بعد المئة مليون نسمة، أو يسأل عن سؤال يخص النشاط والحركة تجده يأتي بالإجابة على صيغة سؤال تهكمي فيقول فيه: (شايفني سوداني لا نشاط لي ولا حركة؟) نسب صفة الكسل إلى شعب السودان بأكمله، متناسيا أن شعب بنقلادش يملكون ذكاء خارقا في تدبير أمورهم، وهم الذين يتفننون في الحفاظ على قيمة النقود وإنفاقها لحاجاتهم لا على رغباتهم، بينما شعب السودان هم رمز للنشاط والحركة، دليل ذلك ما نلحظه من اعتناء منهم بالماشية، وخاصة اعتناءهم برعي الإبل، الذي لم يطلق عليها سفن الصحراء من فراغ، فلا نكاد نرى جملا يمشي في الصحراء إلا وخلفه راع من أصحاب البشرة السوداء، فلماذا ننسب إليهم هذه الصفة التي هم براء منها، أنرضى أن تنسب إلينا صفة التبذير؟ الإجابة لا بد وأن تكون بـ(لا).
ختام القول: هذه الأسئلة التهكمية لا تعتبر كرما منا لناس هم إخوان لنا، وكان علينا ألا نسخر منهم ولا ننبزهم بالألقاب امتثالا لقوله تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقوله تعالى (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان).