كتبت كثيرا حتى بح قلمي عن قضايا العمال والعاملين خاصة فيما يتعلق بأمور المكفولين مع بعض كفلائهم الذين لا يخافون الله فيهم ولا يراعون إلا ولا ذمة.
وطالبت بإنصاف هؤلاء البسطاء وبالعدالة الناجزة لهم حتى لا يشعروا بأي حيف أو ظلم في بلادنا العزيزة التي هي أطهر بقعة في العالم قاطبة.
وجاءني الكثير من خطابات الدعم والتأييد من العمال والقراء هنا ومن الخارج، وسألني أحدهم ماذا يفعل الكفلاء السعوديون المسيئون إذا عاشوا في أوروبا أو أمريكا أو آسيا، حيث يعتبرون أجانب بعد أن كانوا أسيادا في وطنهم.
وفي الواقع فإن ما ساعدني على الكتابة الكثيرة في مثل هذه الموضوعات هو أن الصحيفتين الإنجليزيتين اللتين توليت رئاسة تحريرهما كانتا تركزان بشكل خاص على قضايا الوافدين باعتبارهم يشكلون غالبية القراء، وذلك قبل الابتعاث ودراسة اللغة الإنجليزية، حيث أصبح أبناؤنا وبناتنا يقرؤون ويتحدثون هذه اللغة بطلاقة مثل أهلها تماما.
وكنا في الصحيفتين الإنجليزيتين وهما عرب نيوز وسعودي جازيت نكتب موضوعات لا تجد مساحة كبيرة في الصحف العربية باعتبار أن قراءنا، كما ذكرت، يتكونون في غالبيتهم من الوافدين.
وكثيرا ما عبرت عن تقديري وامتناني للوافدين في كتاباتي وأحاديثي، فهم قد تحملوا مرارة الغربة والحر الشديد وتقلبات الطقس للمساهمة قدر جهدهم في تنمية بلادنا العزيزة.
وقد يقول قائل إن هؤلاء الوافدين لم يشاركوا في تنمية بلادنا متطوعين وبالمجان، بل جنوا كثيرا من الأموال التي أفادتهم وأسرهم في بلادهم.
أقول لهذا نعم بالفم المليان، لكنني أضيف أن هذا شارع بمسارين.
فقد ظل هؤلاء الوافدون ردحا من الزمن بلا صوت وتعرضوا للأذى وسوء المعاملة من بعض الكفلاء ذوي النفوس الضعيفة ولتقلبات أمزجتهم وحالتهم النفسية.
وقد تعرض بعض الوافدين لكثير من الأذى الجسدي والشفهي، بالإضافة إلى تأخير مرتباتهم الشهرية لأزمان طويلة وإلغاء عقودهم - إن وجدت - وتسفيرهم عنوة واقتدارا، والتبليغ عنهم «بالهروب» لمجرد خلافات بسيطة، وهذه تهمة تستعبد الوافد وتكبله وتجعله مخالفا رغم أنه قد تكون لديه إقامة نظامية سارية المفعول لكنه لا يستطيع تجديدها بعد وصم كفيله له بتهمة الهروب.
وبفضل الله وحمده تنبهت السلطات المسؤولة لموضوع الهروب وقيدته بكثير من القيود التي تجعل الكفيل مترددا في الإبلاغ عن غياب مكفوله.
وكذلك استحدثت نظام حماية الأجور وهو من أفضل الأنظمة في العالم.
وفي الواقع فقد شوهت مثل هذه الممارسات سمعتنا الطيبة رغم أن قوانين العمل والعمال التي أصدرتها وزارة العمل منصفة وعادلة وتستحق الإشادة والتقريظ.
ولكن، وآه من كلمة لكن، فإن تنفيذ هذه القوانين على الأرض يصيبه كثير من العوار بسبب الإجراءات البطيئة والروتين القاتل والبيروقراطية المكبلة.
وبسبب هذه الإجراءات العقيمة وبسبب «الواسطة» التي يجدها السعوديون في كل مكان من أقاربهم وأصدقائهم، فإن الوافد يشعر أن أي قضية عادلة يرفعها ضد كفيله ستكون خاسرة وستعود عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وقد غادر كثير من الوافدين عائدين إلى بلادهم أو متوجهين لبلاد أخرى يجدون فيها العدل والإنصاف بعد أن شعروا بالإحباط والخذلان في بلادنا.
وسواء كانت مغادرة الوافدين باختيارهم بحثا عن مكان أكثر عدلا أو بسبب انتهاء إقامتهم وعدم تجديدها، فالحقيقة تبقى أنهم طيور مهاجرة ستسافر بعيدا وإن طالت إقامتها بيننا.
والوافدون سفراء شعبيون لنا وقد تعلقت قلوب الكثيرين منهم بالمملكة وشعبها الطيب، لكن كل ما أخشاه أن يقول أحدهم إنني إن خرجت من المملكة فلن أعود لها حتى لو كان للحج أو العمرة.
وأقترح أن تقوم وزارة العمل بتعيين بعض الشباب والشابات النابهين الذين يجيدون أكثر من لغة للتواصل مع الوافدين، خاصة الذين يفكرون في رفع الدعاوى القضائية على كفلائهم من أجل التحدث معهم وتسليط الضوء على معاناتهم وحلها إن أمكن وديا مع الكفلاء.
أنا أعرف أن وزارة العمل لها لجان مختصة بالنظر في شكاوى العمال وهي لجان تتمتع بالكثير من النزاهة والاستقامة، كما لها أيضا مكاتب منتشرة في كل مكان، حيث يمكن للعمال الاتصال بها لكن لجان الشباب النابهين ستكون إضافة حقيقية لهذه المؤسسات وسيشعر العمال بالراحة معهم، خاصة عندما يتحدثون إليهم باللغة التي يفهمونها ويشعرون أن هؤلاء الشباب أقرب للمتطوعين منهم للموظفين الرسميين.
ونحن بلاد شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين وهذا شرف لا يدانيه شرف، وحيث إن الله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده.
فلنعمل ما في وسعنا حتى لا يكون هناك أي ظلم، خاصة نحو الوافدين الضعفاء الذين لا نصير لهم بعد الله سبحانه وتعالى.
الوافدون طيور مهاجرة
خالد عبدالرحيم المعينا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
