يمكن للخلافات السياسية أن تنتهي إلى تسوية، ولحروب المصالح أن تنتهي إلى وفاق أو تقاسم للمصالح.
يمكن للعداوات أن تقف عند حد الاحترام للتعايش والقبول بالاختلاف بدلا من الإصرار على الأنا أو الموت.
يمكن للحلول السلمية أن تمتلك قوة الفرض والقبول ما دام الناس يؤثرون الأمن لأنفسهم وحرماتهم ولأمن غيرهم وحرماته كذلك.
يمكن للمرء أن يعي أنه ليس وحيدا في العالم، وللمجتمعات أن تعترف أنها ليست في أقفاص مغلقة عن بعضها، وليست في ذاتها وفيما بينها متجانسة مثل فرد واحد في كل شيء.
أما ما تبدو التسوية بشأنه مستعصية، والحروب في سبيله بلا نهاية إلا الدمار...أما ما تنفي العداوات بسببه كل إمكانية للتعايش والقبول بالاختلاف، ولا يقبل الوجود فيه القسمة على أكثر من واحد، فذلك حين تثور الفتنة الدينية والمذهبية، ويحتشد الناس عقائديا ضد بعضهم.
هنا يعني الوصول إلى تسوية، أو القبول بالآخر، نفيا للوجود بما هو تجسد في العقيدة التي لم تعد عقيدة دينية أو مذهبية بأي معنى إلا بمعنى النفي لوجود غيرها؛ فوجوده نفي لها بالقدر نفسه.
والحروب الدينية بهذه الصفة لا تستمر سنة ولا سنتين ولا عشرا، بل تستمر عقودا، والتاريخ يحدثنا عن حروب دينية استمرت أكثر من مئة عام.
الحرب في سوريا غدت حربا دينية طائفية، وصفتها هذه هي التي أبقت الأسد إلى الآن، ولكنها لن تنتهي برحيله، وقد يتطاير شررها إلى بلدان الشرق الأوسط عامة.
ما الذي جعلها حربا طائفية؟ هل هو تدخل إيران و«حزب الله»؟ أم نشوء تنظيمات جهادية سنية؟ أظن أن المسألة تسبق ذلك كله.
فلنعد بالذاكرة إلى بداية الثورة السورية، ففي تلك البداية كانت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان تصف المظاهرات -في تكرار لافت- بأنها «مشروع فتنة طائفية»! وهو وصف يقابل هتاف الأصوات، النافي لكل طائفية، في المظاهرات كما رأينا على شاشات التلفزيون: «واحد واحد واحد...الشعب السوري واحد» أو «سنية-علوية بدنا وحدة وطنية».
لم تكن الثورة السورية ضد الطائفة العلوية، ولو كانت لما صحت نسبتها إلى سوريا، ولما صحت تسميتها بـ»ثورة».
وهنا يكمن سر ترويج النظام للوصف لها بالطائفية؛ لأنه يهدف إلى تشويهها والقضاء على أي مشروعية لها.
ويبرر لتدخل إيران وحزب الله، ويصنع لمصطلح الإرهاب دلالة طائفية لا تنطبق على ما يقترفه نظامه ولا ميليشيات حزب الله وإيران من قتل وسحل للأبرياء، بل على من يحارب لإسقاط بشار.
وهذه علامة مألوفة في التقارن بين الاستبداد والطائفية الدينية ومشتقاتها؛ فالمستبد يصور نفسه للخاضعين له بوصفه صمام الأمان من الحرب ضد عقيدتهم أو انتماءاتهم التي تقوم مقامها.
لكن أعظم مكتسبات هذا المستبد هو تصديق الثورة على وصفه إياها بالحرب الطائفية، حين راح خطاب ديني يدعي الحديث باسمها، ويعمم حربها على «الشيعة» و«النصيرية» ويتعداهما إلى «الأمم الكافرة» و«الصليبية الأرثوذكسية» و«المرجئة» و«المنافقين».
وتفرقت الثورة –هكذا- ليعلو فيها صوت فصائل متناحرة ذات وجهة طائفية وأممية لا تقصد سوريا إلا بمقدار ما تدرجها ضمن أجندتها الأوسع، وتشهر في وجه المجتمعات الإسلامية والخارجية وحشية وظلامية لم تبق لها عند غير المنتمين إليها أدنى درجة من التعاطف أو القبول.
وهي مكتسبات للمستبد تضاعف المكتسبات التي يلقاها من دعم إيران وحزب الله وتدخلهما لنصرته منذ بداية الحرب، بالذرائع الطائفية نفسها.
ليس كل الشيعة، ولا كل العلويين، ولا كل المسيحيين، يؤيدون بشارا، ويرضون بتدميره لبلادهم من أجل البقاء في السلطة.
وفي المقابل فإن السنة في سوريا ليسوا جميعا ضد بشار، وفي جيشه أعداد كبيرة منهم.
ولم يكن ناقصا هذا المشهد المأساوي أن تتدخل روسيا وبذريعة «دينية» أيضا!إن الإمعان في تقديم مزيد من التأكيد على طائفية الحرب في سوريا، يخدم الاستبداد والطائفيين فيها، ويوسع من دائرة الحرب، ويعقد كل السبل إلى الحل.
وأعتقد –آسفا- أنني أقول قولي هذا واصفا لا واعظا، فالوضع لم يعد يتسع لوعظ أو تحذير!