في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان الشاه يعتبر نفسه شرطي الخليج وكانت علاقته بأمريكا في أوج تصالحها وانسجامها، كانت أمريكا تعتبره ذراعها الطويلة في المنطقة وكان يرى نفسه ونظامه مؤهلين للعب أدوار بالغة التعقيد والخطورة.
سقط الشاه وتغيرت قواعد اللعبة في الخليج والشرق الأوسط، فبدءا بحرب الخليج الأولى مرورا بالثانية وصولا إلى الربيع العربي وما تلاه من أحداث، عمت الشرق الأوسط فوضى خلاقة كانت قد بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كونداليزا رايس، وما لبثت هذه الفوضى أن أصبحت دمارا وخرابا قتلت الملايين وشردت أضعافهم إلى مختلف الأصقاع.
وفى الصراع في سوريا انحازت إيران وحلفاؤها إلى النظام ضاربة عرض الحائط بكل الأصوات السورية التي نادت وما زالت تنادي بالحرية والكرامة.
التدخل الإيراني في الشأن السوري كان على مرأى ومسمع أمريكا وكأن الأمريكان أرادوا إعادة دور الشرطي إلى النظام الإيراني ليلعبه وفق قواعد المصالح الأمريكية أولا والإيرانية التي أثبتت مآلات الأمور تقاربها في وقت ما وتطابقها حاليا إلى درجة غير مسبوقة!مارست إيران في سوريا تدخلا سافرا وأذنت لوكيلها في المنطقة حزب الله اللبناني بالتدخل أيضا وأصبح السوريون بين مطرقة النظام وسندان التدخل الإيراني السافر والمقيت.
إلى هنا والأمور طبيعية في تسلسلها السياسي والزمني ولكن الأمر غير الطبيعي هو التدخل الروسي المفاجئ في الشأن السوري، تدخل سافر بكل المقاييس ومغاير لكل سيناريوهات الصراعات في المنطقة.
إن هذا التدخل جاء بموافقة أمريكية بعد أن أصبح الشرطي الإيراني غير قادر على حسم الأمور على الأرض وتصاعد المقاومة الوطنية السورية أفضى إلى وضع جديد على الأرض بات ينبئ بزوال النظام وخسارة حلفائه في المنطقة، ليس شرطا أن تكون هذه الموافقة معلنة ولكن الجرأة الروسية ما كان لها أن تتم دون إشارة أمريكية بالرضى عما حصل وسيحصل.
التدخل الروسي مؤشر لعجز النظام وإيران وحلفائهم الذين أرادوا بقاءه على حساب السوريين وحقهم في تقرير مصيرهم الذي تضمنه كل الدساتير والمواثيق الإنسانية، وهو مؤشر أيضا لدوران روسيا في فلك السياسة الأمريكية التي استطاعت أن توظفها للعب دور الشرطي بعد أن عجزت إيران في عهودها المختلفة على لعب هذا الدور وفق ما يراد لها وللسياسات الأمريكية في المنطقة.
روسيا دخلت المستنقع السوري بإرادتها ووفق أحلام إمبراطورية تراودها منذ أزمان بعيدة، وبضوء أخضر أمريكي أوقعها في شرك المشكل السوري الذي سيعيد سيناريوهات أفغانستان المؤلمة لروسيا الحالية وقيصرها الجديد بوتين.