وثق الرحالة ماء العنين بن العتيق في كتابه الرحلة المعينية، رحلته التي انطلقت من المغرب العربي إلى الديار المقدسة سنة 1357 كثيرا من مشاهداته.
وانعكست ثقافته على ما دونه، فكان حريصا على توثيق اللقاءات العلمية والثقافية والمناقشات الأدبية التي كانت تدور في الحلقات العلمية المتناثرة بين أروقة المسجد الحرام، أو في بيوت العلماء المكيين الذين كانوا يسعون لدعوة العلماء القادمين للحج إلى منازلهم في مجالس علمية فريدة ومتنوعة.
ووصف مجلس المدرس في الحرمين الشريفين، والمرجع في المذهب المالكي، عمر بن حمدان المحرسي، حيث يقول عن مجلسه الذي كان يعقده بداره «صادفنا بداره كثيرا من العلماء والكبراء من أهل مكة ومصر والعراق والشام وغير ذلك من الحجاج، فاحتفل بالجمع احتفالا كبيرا، وقدم من الأطعمة الحسنة والأشربة المستحسنة، وبسط من الفرش المنمقة والنمارق المصفوفة ما ينبئ عن كرمه وسخائه وفضله، ووقعت في المجلس محاضرات أدبية ومذاكرات علمية، آلت إلى إنشاد الأشعار فيما يقتضيه الحال».
وزار العتيق قاضي المحكمة المستعجلة في مكة حينها حسين بن عبدالغني، ووصفه بقوله «بالغ في إكرامنا، وكان رجلا ظريفا أديبا»، والتقى في مكة بعدنان بن عمر الكتبي، وزاره في بيته وقال عنه «هو رجل كيس، له آداب زائدة ومعرفة كبيرة بمكارم الأخلاق، والإحسان».
والتقى كذلك في مكة بأمير البيان شكيب أرسلان، والذي قدم للحج تلك السنة، وكانت مثل هذه اللقاءات التي وصفها العتيق من أهم الروافد العلمية والثقافية في بلاد الحرمين، لتنوعها وتجددها وتكرارها بشكل سنوي.
وحرص العلماء من المكيين على إقامة مثل هذه التجمعات واللقاءات يزيد من فرص التواصل بين علماء المشرق والمغرب، ويقومون بمهمة الوسيط حتى يجمعوا بين النخب العلمية من الحجاج، كما أن صيت العلماء المكيين كان يجعل بعض القادمين من العلماء أو طلبة العلم يبادرون إلى زيارتهم حرصا على الاستفادة منهم.

[email protected]