لا يخفى على أي مراقب للوضع بسوريا أنه منذ بداية الأزمة والتخبط في توقع تدخل دولي يطغى على خطاب المتعاطفين مع الشعب
وصل هذا التخبط لمداه عند استخدام النظام لأسلحة محظورة دوليا مؤخرا، وأيضا في رفضه للتعاون الكامل مع المفتشين الدوليين
وما لم يفهم الحريصون على نصرة الشعب معنى «التدخل الإنساني» على وجهه الصحيح فلن يتمكنوا من رسم سياسة متوازنة في تعاملهم مع الأزمة السورية
فعلى الرغم من أن مفهوم «التدخلات الإنسانية» تشكل كحقيقة سياسية في عهد ما بعد الحرب الباردة، إلا أن معظم التدخلات إن لم يكن كلها، لم تكن إنسانية، بل كانت إلى حد كبير نتاج المصالح الوطنية للدول المتدخلة
هذا الكلام لا يبدو غريبا عند الوهلة الأولى إلا أن الكثير يتجاهله عند الحديث عن المسألة السورية دون تقديم فهم بديل
يبدو أنه من الضروري العودة للأصول ومحاولة تبسيط معنى التدخل للوصول لفهم أفضل وأشمل لكيفية تفكير الدول المتدخلة


الواقعية الكلاسيكية

من أهم افتراضات الواقعية الكلاسيكية أن الدول لا تتحرك إلا إذا شعرت بالقلق على مصالحها الوطنية مثل ثرواتها وأمنها
ويوضح هانز مورقانثاو العالم الأشهر في العلاقات الدولية، وأحد مؤسسي الواقعية الجديدة، هذا المعنى بقوله إن «السياسة هي وسيلة لاكتساب والحفاظ على مصالح وطنية عليا، وبناء على ذلك لا تتدخل دولة في شأن أخرى إلا إذا استدعت مصلحتها ذلك، وهذا الأمر طبعا مشروط بمعرفة الدولة المتدخلة بقدرتها على النجاح، وبحساب دقيق للمصالح المعنية والطاقة المتاحة»
الواقعية الكلاسيكية الجديدة تتخذ منحا آخر في تفسير التدخل الدولي، لكنه يصل لنتيجة مقاربة، فهي تؤكد على فوضوية النظام الدولي وانعدام سلطة مركزية تحكم السياسة الدولية
والراحل كينيث والتز، من مؤسسي الواقعية الجديدة، يؤكد على أن السياسة الخارجية لأي دولة لا تكون إلا على أساس مصالحها الوطنية
فالدول تبذل جهودا متواصلة للحفاظ على مصالحها وضمان بقائها على قيد الحياة، لأنه في نظام (الغاب) الدولي لا يمكن الاعتماد على دولة أخرى أن تقوم بذلك عنهم
يؤكد والتز أن التدخل لا يكون إلا للحفاظ على تعزيز قوة الدولة المتدخلة، فإن لم يكن هناك خطر فلا تدخل
رغم الاختلافات الظاهرية بين النظريتين “الواقعية” لكن كليهما يسلط الضوء على محورية تهديد المصالح الوطنية ورغبة الدولة الأقوى في زيادة قوتها كسبب رئيس للتدخل، وأن الإنسانية لم تكن و لن تكون سببا لأي تدخل عسكري ذي معنى


حقوق الإنسان

على النقيض من تركيز الواقعيين على الدولة كفاعل رئيسي فإن الليبرالية تؤكد على حماية حقوق الإنسان
يدعي الليبراليون الكلاسيكيون أن البشر يملكون حقوقا طبيعية أساسية في الحرية تتمثل في حق الإنسان أن يفعل ما يراه مناسبا للحفاظ على نفسه، شريطة ألا ينتهك حرية غيره
ما يهمنا هنا هو نظرة الليبرالية لما يسمى بالتدخل الإنساني
مايكل والزر يجادل بأن التدخل العسكري لا يمكن تبريره إلا كملاذ أخير، وكوسيلة أخيرة لحماية المدنيين من انتهاكات خطيرة مثل الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية
مع ذلك، ينبغي عدم اتخاذ مثل هذا التدخل من جانب واحد، بل يجب أن يكون التدخل متعدد الأطراف مع تفويض من مجلس الأمن الدولي لأن التعددية في نظر الليبرالية تمنع القوى العظمى من تحقيق مصالحها الخاصة بدلا من تحقيق الأهداف الإنسانية الدافعة للتدخل
ما سبق يبدو ضروريا لمعرفة إن كان أي تدخل أمريكي في سوريا حتى لو كان مستبعدا في الوقت الحالي على الأقل حتى يتم تجريد النظام السوري من الأسلحة المحظورة، سيكون فعالا في قلب موازين القوى على الأرض لمصلحة الثوار أم لا
ويمكن القول إن التدخل لم يكن أبدا ناجعا إلا عندما كان مرتبطا بمصلحة مباشرة للدول المتدخلة وهذا منتف تماما في الحالة السورية
استعراض سريع لأسباب التدخل (الناجح) في ليبيا سيوضح لماذا التدخل في سوريا لن يكون حاسما
فليبيا القذافي لا تختلف عن سوريا الأسد في التعذيب والسجن والقتل لآلاف المواطنين والتهجير لأضعاف هذا العدد
إلا أن الفارق هو تدخل مؤثر ومصمم على تدمير النظام في ليبيا
وبالمقابل فالتدخل الناعم أو لا تدخل سيبقي موازين القوى في سوريا إلى أجل غير منظور


معايير أطلسية

رغم أن تدخل حلف الناتو الأطلسي في ليبيا كان كما يبدو حالة مثالية للتدخل الإنساني، إلا أن الواقع على خلاف ذلك
التدخل في ليبيا كان لمصالح واضحة ومباشرة للدول المتدخلة
فقد كان احتياط النفط في ليبيا حيويا للدول الأوروبية، حيث إن ليبيا تصدر أكثر من 75% من النفط إلى دول أوروبية مثل إيطاليا، فرنسا، وبريطانيا
وانخفض إنتاج النفط الليبي إلى أقل من الثلث أثناء الحرب الأهلية الليبية، وسبب هذا الانخفاض ضررا كبيرا في اقتصادات تلك الدول لذلك حرصت على إنهاء الحرب في أسرع وقت
أما في سوريا الخالية من الموارد فأسباب تغيير النظام من وجهة نظر أمريكية أقل من الأسباب الداعية لتغييره
والدافع الوحيد لتغيير النظام هو الجغرافية السياسية السورية
فالنظام الأسدي هو وكيل موثوق للنظام الإيراني، ويعمل كقناة لتزويد الأسلحة إلى حزب الله
أضف لذلك أن النظام الإيراني ماض في تحقيق طموحه النووي
هذا هو المحفز الوحيد لإدارة أوباما، أو أي إدارة بعدها للتدخل في سوريا ومحفز مثل هذا قد يبدو غير كاف للشروع في أي تدخل


منظور أوباما

قد يكون أفضل وصف للسياسة الخارجية لإدارة أوباما بأنها «سياسة» من حيث أنها تنظر بمنظار الجغرافية السياسية الضيق وتتجاهل عامدة القضية الإنسانية الملحة
عدم وجود مبادئ واضحة فيما يتعلق بالتدخل الإنساني أمر مقلق للغاية عمليا وفلسفيا
عمليا لأن صانعي القرار والمهتمين بالشأن السوري مضطرون للتنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة، فلسفيا بسبب أن هذا التذبذب الأمريكي له آثار دراماتيكية في زيادة القلاقل في العالم، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص
غياب الخطوط الحمراء يطلق يد النظام السوري، وغيره من الأنظمة المتوحشة، في القتل و الإبادة ويكرس نظام الغاب
على ضوء ذلك يبدو أنه من المحتم على قادة حركات المقاومة والدول الداعمة لها أن يعوا أن أي اعتماد على مساعدات أمريكية إنما هو ضرب من العبث
تضارب المصالح الجيوسياسية وانعدام الموارد في سوريا تهمش المأساة الإنسانية وتجعل أي تدخل فاعل غير ممكن


انتقائية التدخل

وبالنظر إلى حقيقة أن التدخل في ليبيا حدث للحفاظ على المصالح الوطنية لبعض دول حلف الناتو، يجعل الانتقائية للتدخل سيدة الموقف في المستقبل المنظور
بعبارة أخرى، لا تزال الواقعية تتمتع بالقدر الأكبر من القوة التفسيرية للتدخل الإنساني
لا يتوقع من إدارة أوباما، نظرا للاعتبارات الجيوسياسية، أن تتدخل في سوريا مهما عانى الشعب السوري من أهوال نظام الأسد
قد تأتي إدارة أمريكية أخرى بعد أوباما قادرة على صنع القرار وصياغة سياسة خارجية متسقة تضع آلية مدروسة على ضوء مبادئ وقيم إنسانية عليا للتدخل في الأزمات الإنسانية الملحة لكن هذا مستبعد في إدارة مترددة مثل الإدارة الأمريكية الحالية
فوجود دولة فاشلة أخرى في الشرق الأوسط ليس في مصلحة أحد، ولا حتى في مصلحة داعمي النظام السوري الحاليين