يصدر قرار مفاجئ، أرى «كمواطن» أنه مُتسرع وعاطفي وغير عملي، أحتجُّ بمقالة أنيقة، أُوضح أسبابي، لكن لا أحد يسمع صوتي المبحوح، وأنا أكتب أعلم أن صوتي لن يصل، فهو ليس أعلى من اللجان المتخصصة التي رسمت خطوات هذا القرار، وسهرت الليالي تمشّطه خُصلة خصلة، وتجدّله ضفيرة ضفيرة، ويقلّب الُخبراء كل خليّة في جسده ليتأكدوا أنه يستطيع العيش بعد أن يغادر الورق، وُهنا تحديداً يكمن «الفرق»، أنا كمواطن أنظر له وأُقيّمه من الواقع، أنظر له كمشروع (عملي)، فيما السادة المختصون ينصب اهتمامهم عليه نظرياً، يرتّقون الثغرات القانونية، ويحرصون على صياغة البنود بلغةٍ واضحة، ثم يحتفلون «بإطلاق» هذا «الكائن» وهم مستعدون للإجابة عن جميع الأسئلة، لكن ما أن يطأ الأرض حتى تظهر به عوارض «الكساح» وفقدان الشهيّة، وبدلاً من أن يعترف «الصانعون» بالخطأ، تأخذهم العزّة بالفوقية، فيستمرون بالمكابرة حيناً، وبالصمت حيناً آخر، فالقرار الـ«ما» لم ينجح ليس لسوء في «التصنيع» بل لعدم أهلية المُشغل/ المستفيد/ المواطن، لاحظ أنهم لم يعترفوا بالفشل، بل انتقوا مصطلح (لم ينجح)، الفرق أن الفشل يعني الاعتراف بالخطأ، وهذه فضيلة ندعو لهاولا نجيدها، أما القول بأنه (لم ينجح) فهذا يعني أن القرار سيعود بصيغة جديدة مطوّرة (فاعل2)، وستبدأ نفس اللجان ترسم (الكائن) من جديد على الورق، فتقترح أن يكون حجم الرئتين في النسخة الجديدة أكبر من الجسم كي يتمكن من التنفس بحرية أكثر، ويستفيدون من تجربتهم القديمة إذ يتأكدوا من صلاحية الرئتين للتنفس تحت جهاز (الأُكسجين)، فتثبت النتائج فعاليتها، ويهتف الجميع احتفاء بالنسخة الجديدة، وفي المؤتمر الصحفي يُطلق هذا الكائن الجديد، يبدو شكله الجديد مُلفتاً برئته البارزة خارج جسمه، ثم يبدأ (الصُنّاع) بتبديد دهشة الحضور عندما يقنعوهم بأن ذلك ضروري كي يعمّر هذا الكائن مئة سنة قادمة، إضافة لخاصيّة تخزين الأُكسجين
لكن ما أن ينطلق في الشارع حتى يُصادف (هبوب) بعض الأتربة الموسمية التي تؤثر على رئته وتجعله يُصاب بنوبة ربو حادّة، وبالطبع أن لا ينجح الابتكار الجديد، فذلك لا يعني –من قريب أو بعيد– أن هنالك خطأ في التصميم أدى إلى فشله، بل (عدم نجاحه) هو سبب الأحوال الجوية، وهذه المرة يُصرف النظر عن التطوير، والسبب أن المشكلة التي صُمم لحلّها أصبحت واقعاً حقيقياً في حياة الناس اعتادوا على التعايش معه!وهُنا تحديداً تبدأ الإشكالية، أقصد اللحظة التي ييأس فيها المستفيد من جديّة المنفذ، فيصمت الأول لأنه وصل لقناعة أن صوته لم يعد مجدياً، بل وتُقابل بالتسفيه والتجاهل، هذا مع التفاؤل الذي يفترض أنها سُتقابل أصلاً، ومع هدأة الصوت هذه يعتقد المُنفذ أن صمت المواطن دلالة على الرضا عن «التطوير»!الأمر مُربك، أو أننا نحن نريده أن يكون كذلك، وهو أشبه «بطاهٍ» مُكلف بإعداد الطعام «للعملاء»، وفي كل مرة يشتكي العميل من أن «الوجبة» المُقدمة هي «لغسيل المواعين» أقرب من كونها «وجبة غذائية» يُصر الطاهي على جودة وجبته، ويطلب أن لا يُحمّل سوء ذائقة العميل، وكي يُثبت براءته وجدّيته فإنه يأتي للإدارة «بكتاب الطبخ الصيني» -أي بالوثائق- ويقنعهم أن هذا (أحدث) ما توصلت إليه البشرية من اختراعات (بعد اختراع سيارة غزال طبعاً)، وإمعاناً في الجدية والشفافية فإنه يطلب من الجميع أن يصحبه «بمؤتمر صحفي» بالمطبخ كي يروا الدّقة في المقادير -أي بالأرقام- بعد أن قدّم الوثائق من قبل، وبالطبع الإدارة تهمها الوثائق والمستندات والأرقام، ما الحل إذن؟ كان من المفترض أنلا نتورط بمثال يتعلّق بـ»الأكل»، لكن الاختيار كان «بريئاً» لا سيّما وأن أقرب الطرق للوصول لقلب الرجل هو «بطنه»، وبهذا نمارس لعبة مسليّة للوصول إلى القلب أولاً، ومن ثم نحاول الوصول بعد ذلك إلى «الفكر»، لأننا نؤمن «بالتمرحل» وننبذ «حرق المراحل»، ونتأكد أن «الفاعل» الذي أُوجد لخدمة «المفعول به» لم يعد هاجس الناس، فالذين لم يستسيغوا نكهة «غسيل المواعين» أصبحوا الآن يحاولون استساغة طعم «مرق الأحذية»، لكنهم يكبتون شكواهم لعدم وجود وثائق تُثبت سلامة ذائقتهم وذوقهم، لا سيّما أن الوثيقة تصدر من «وزارة الشفاء» -العرب تقول للأعور: كريم العين– والمجازفة بالذهاب إلى هناك تعني أن ستعود -لا محالة- بأحد (خفّي) حنين، أما أن تعود فاقداً للعضو الذي تستخدمه للشكوى والتبرم، أو تعود بلا حاسة التذّوق، وحتى في هذه الحالة (حالة مرق الخفّ) تأتي ناقصة، ويستمر الحال في تدوير الحلول، مع يقيننا التام أن المشكلة القادمة ستأتي وسيكون علاجها بنفس الخطوات، فمشكلاتنا تختلف لكن حلولنا هي ذاتها، فنحن -لله الحمد والمنّة– لدينا (حلووول) جاهزة وننتظر فقط المشكلة أن تحدث لنتصدى لها بـ»قوالبنا» السابقة التي أثبتت جدواها في المشاكل السابقة (التي أصبحت طيّ النسيان)
ليتسلل السؤال بخفّة راقصة: إذن ما الحل أمام هذه المشكلة؟والجواب كما هو منذ فجر البشرية –مع تصرف يناسب كل جيل– اترك المشكلة حتى يعتاد الناس عليها، وراهن –بدهاء– على أن الحل لديك وكل ما تحتاجه هو مزيد من الصبر!
تطوير (فاعل2).. حينما ييأس المستفيد من جديّة المنفذ!
فهيد العديم4 دقائق للقراءة

حجم الخط
