سبق أن كتبت مقالة بعنوان: «المدارس الخيرية.. تطلعات لتحسين الأوضاع».. وقد كان الهدف منها إلقاء الضوء على هذه المدارس ومشكلاتها.
وقد رد على المقال مدير إدارة التخطيط التربوي بإدارة التربية والتعليم بمكة المكرمة الأستاذ/‏ تركي الكراني عبر تغريدات له في تويتر فقال: «جهود الإدارة في ذلك واضحة ولله الحمد».. ووضع رابط خبر يوضح أنه تم: «ضم حوالي 21 ألف طالب من مدارس الجاليات إلى مدارس التعليم العام.. تنفيذا لتوجيهات الوزارة المبنية على توجيه منطقة مكة المكرمة بعدم إبقاء أي مدرسة خارج إشراف وزارة التعليم..». كما أضاف في تغريدة أخرى له: «سيتم إضافة 32 ألف طالب وطالبة بالمرحلة الابتدائية خلال العام الدراسي هذا والذي يليه..».
وفعلا تشكر إدارة التربية والتعليم بمكة المكرمة على جهودها الحثيثة بالارتقاء بالعملية التربوية والتعليمية من خلال بناء الإنسان بصرف النظر عن عرقه وجنسه.. من خلال تعليم أبناء الجاليات.
وقد كان واضحا من تغريدات مدير إدارة التخطيط الاهتمام بالكم (عدد المدارس) بصرف النظر عن (الكيف) في معالجة أوضاعها؛ فإذا تصورنا ضم 21 ألف طالب في عدد من مدارس التعليم العام.. وكذلك ضم 32 ألف طالب.. فهل حقا تستوعب مدارس التعليم العام هذا العدد! أم إن الهدف فقط التخلص من تلك المدارس؟ خاصة وأنه ومنذ اليوم الأول في الدراسة ظهرت مشكلات متعددة تحاصر مدارس مكة المكرمة (حسب صحيفة المدينة -الاثنين 9/‏11/‏1436هـ ص9) ومن أبرزها إزالة مجمعات مدرسية لوقوعها في مشاريع ولم يتوفر البديل، وكذلك نقص في المقاعد الدراسية، وعدم وصول الميزانية التشغيلية للمديرات. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ كيف سيكون وضع طلابنا وطالباتنا بإضافة هذه الأعداد للمدارس!
ثم هناك سؤال آخر مهم: كيف يتم توجيه الطلاب والطالبات للمدارس؟ هل بناء على دراسات مقننة تراعي مستوى الطالب وظروفه الاجتماعية ومقر سكنه؟
حسب علمي أنه تم توجيههم حسب الشاغر في المدارس بعد اختبارات صورية لمجرد النجاح وبلا معايير ولا أدوات تشخيصية دقيقة فتم توجيههم لمراحل دراسية أعلى من مستوياتهم الحقيقية دون الأخذ في الاعتبار اختلاف المناهج وطرائق التدريس، حيث إن المعلمين والمعلمات غالبيتهم من حملة الثانوية العامة فكيف يتم مساواتهم بطلاب التعليم العام!؟
فضلا عن مصادفة أن يكون أبناء الأسرة الواحدة كل منهم في مدرسة: واحد في الشرق وآخر في الغرب، مما حدا بالكثير من الأسر سحب أبنائها وبناتها لأن ظروفهم لا تسمح بتوفير مواصلات وحدث فعلا التسرب لأعداد كبيرة منهم لنعود (لكرة الفراغ والمفسدة من جديد)، فضلا عن تحويل المدارس -لبعض منهم- للدراسة عن طريق (منازل) مع صعوبة ذلك وخاصة في الأقسام العلمية التي تتطلب حضور وفهم واستيعاب المحتوى.
وسؤال آخر مهم: هل قامت الإدارة بدراسة مدى تكييف من تم نقلهم؟ وهل حصرت الأعداد المتسربة وأسبابها؟ وما المشكلات التي صادفتهم؟ فالكثير منهم يشعر بالدونية لعدم وجود برامج توعية لطلاب وطالبات مدارس التعليم العام باحترام هذه الفئة وتقديرها.
أما ما حدث في أول يوم في الدراسة الأحد 8/‏11/‏1436هـ وهو عودة الطلاب والطالبات لمدارسهم فقد كان صادما ليس فقط للطلاب والطالبات وأهاليهم، ولكن لمديري ومديرات ومعلمي ومعلمات المدارس الذين فوجئوا بقرار إغلاق مدارسهم دون سابق إنذار! ومنها مدارس مشهود لها بخبراتها التربوية والتعليمية مثل: مدرسة (صفية بنت حيي)! ثم لم تلبث الإدارة أن تراجعت عن قرارها بإعطاء أوامر الاستمرار للوضع، مما يدل على عدم وجود دراسات وخطط تشغيلية واضحة لإدارة مدارس الجاليات، وأنها تعتمد على الارتجالية في القرارات.
وأما المدارس التي لم تغلق فقد أصيبت مديراتها بخيبة أمل بوصول مديرات جديدات للمدارس -من معلمات القرى اللاتي تم نقلهن ويفتقدن أدنى خبرة أو مهارة في الإدارة- وحدث ذلك وبدون سابق إشعار بانتهاء مدة التكليف المعتمد سابقا وهن ممن أمضين أكثر من خمسة عشر عاما في الإدارة مما أصابهن بالإحباط وبانهيار نفسي شديد وبكاء!
وهنا أيضا لا بد أن نتساءل عن مصير المعلمين والمعلمات -الذين يحصلون على مرتبات متدنية- هل ستلغى عقودهم أيضا ويبقون في بطالة وانتظار فرج السماء؟
أظن أن تصحيح أوضاع هذه المدارس الخيرية الذي ترمي إليه إمارة منطقة مكة المكرمة بقيادة أميرها (الإنسان) مستشار خادم الحرمين الشريفين الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- لم يُقصد منه مطلقا قفل تلك المدارس وهدم كرامة الإنسان بل لتبقى تلك المدارس، ولكن بتحسين بيئاتها التعليمية والتربوية ووضع آليات إشراف دقيقة، ومتابعة للنواحي الاجتماعية، ومراقبة لبرامجها وخططها الدراسية ودعم لأنشطتها، بل ودعم لرواتب المعلمين والمعلمات، فيبقى الطلاب والطالبات في الإطار الاجتماعي الملائم لظروفهم ومستواهم المعيشي بعيدا عن تعقيدات الضم إلى مدارس التعليم العام والتي تضاعف أعباء إدارة التعليم.. وبذلك نحقق مخرجات تعليمية وأهدافا سامية.
نسال الله التوفيق والصلاح لكل ما يحقق الأمن والازدهار لإنسان هذا البلد الحرام.