المنافسة العادلة من أساسيات الاقتصاديات الناجحة، وترتبط بديناميكية وفاعلية قطاع الأعمال بشكل عام، وتنعكس إيجابيا على كافة الأطراف المستفيدة من النشاط الاقتصادي، فالمستهلكون سيحصلون على سلع وخدمات ذات جودة عالية بأسعار منخفضة، وستكون أمامهم خيارات متعددة للمقارنة، واتخاذ قرار الشراء، وقطاع الأعمال والخدمات سيعمل على زيادة الكفاءة، الإنتاجية، الإبداع، الابتكار، وتنويع المنتجات لضمان النجاح والاستمرار، وهو ما سينعكس على تنافسية الاقتصاد الوطني، ونموه وازدهاره، من خلال زيادة الكفاءة التشغيلية، وسعي الشركات المنافسة للاستخدام الأمثل للموارد، وتقديم أفضل مستوى خدمة للفرد والمجتمع.
المنافسة العادلة جزء لا يتجزأ من العدالة والشفافية التي يجب أن يتمتع فيها أي اقتصاد، ولا تتناقض إطلاقا مع مبادئ الحرية الاقتصادية، بل إنها تمثل مبدأ أساسيا لمحاربة الممارسات الاحتكارية التي لا تتفق مع مبادئ الاقتصاد السليم.
كما أنها تضمن شرط العدل والمساواة في كافة قطاعات الأعمال، وتترك مساحة للإبداع والابتكار، وتطوير الأعمال التجارية الصغيرة.
ومنع الشركات من تحديد الأسعار أو اقتسام الأسواق فيما بينها، أو السيطرة على سوق معين بهدف إخراج صغار المنافسين منه، ومنع الإندماجات التي تقود إلى السيطرة والهيمنة على قطاع معين بما يخلق مستقبلا ممارسات احتكارية شرط أساسي لتحقيق المنافسة العادلة في جميع الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء.
وبالنظر إلى قرارات مجلس حماية المنافسة السعودي تجد أن معظمها يتماهى مع قواعد المنافسة الأوروبية، خصوصا فيما يتعلق بإساءة استخدام الوضع المهيمن للشركات، واعتباره من المحظورات في نظام المنافسة، فمجلس حماية المنافسة يرى أن التلاعب بالأسعار سواء رفعا أو تخفيضا من المحظورات التي يجب على الشركات العاملة في السوق السعودية تجنبها، وفصل المجلس في هذه الممارسات لضمان الوضوح والشفافية والفهم الكامل لها.
ويندرج تحت هذه المحظورات فرض رسوم عالية غير مبررة، وتحقيق أرباح احتكارية بسبب وضع المنشأة المهيمن، وانفرادها بتحديد أسعار أعلى من تكلفة الإنتاج، وبالتالي تحقيق أرباح لا يمكن تحقيقها في ظل المنافسة الفعالة، كما هو الحال في فرض أسعار منخفضة غير مبررة بهدف حرق الأسعار، تصل في بعض الحالات إلى قيام الشركة أو المنشأة ببيع منتجاتها (سلعا وخدمات) بأسعار لا تغطي تكلفتها لفترة معينة من الزمن، بهدف إخراج منافسيها من السوق أو منع دخول منافسين جدد إلى السوق، ثم تعود لأسعارها الطبيعية بعد ضمان خروج المنافسين.
ولم يغفل مجلس حماية المنافسة التمييز بين العملاء، والاستخدام القسري للهيمنة التجارية، واعتبرها من المحظورات التي تعرض المنشأة للعقوبة والمساءلة، وينطوي تحتها بيع السلع نفسها بأسعار مختلفة لعملاء متشابهين، أو تقديم خصومات وحوافر للعملاء الذين يتعاملون معها، وفرض شروط تجارية غير عادلة مثل أن تقوم المنشأة المهيمنة بربط بيع سلعة معينة مع شراء سلعة أخرى، بالإضافة إلى إنهاء علاقة تجارية طويلة الأمد بدون مبرر أو الرفض غير المبرر لتوقيع أي عقد مع وجود فرص للإنتاج أو التوريد، أو رفض المنشأة التعامل مع منشأة أخرى دون مسوغ من المحظورات.
ما قام به مجلس حماية المنافسة لحد الآن يعتبر نقلة إيجابية في حماية المنافسة العادلة، ومع ذلك لا تزال أمامه فرص كبيرة لتطوير نظام المنافسة العادلة، فهناك بعض الممارسات الاحتكارية التي تقوم بها بعض الشركات الكبرى تحتاج إلى الالتفات لها، ومعالجتها والحد منها، على سبيل المثال، قيام الشركات الكبيرة باستخدام القوة التفاوضية لفرض الشروط التي من شأنها أن تجعل من الصعب على مورديها أو عملائها القيام بأعمال تجارية مع منافسيهم.
فهذه الممارسات تؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار من ناحية، وتقليص الخيارات المتاحة للمستهلكين، من ناحية أخرى.
كما اقترح أن لا يقتصر تطبيق إجراءات المنافسة العادلة على البضائع فحسب، بل يتم التوسع فيها ليشمل المهن (الأطباء، المحامين، وباقي المهن )، وقطاع الخدمات - بما في ذلك الخدمات المالية، مثل الخدمات المصرفية وبطاقات الائتمان، التجزئة كما هو معمول به في نظام المنافسة الأوروبي.
على أن يشمل ذلك مراقبة التسهيلات التي تقدم لقطاع الأعمال، بما في ذلك القروض والمنح، والسلع والخدمات المقدمة بأسعار تفضيلية، الضمانات الحكومية التي تعزز التصنيف الائتماني للشركة مقارنة مع منافسيها، فالملاحظ أن الشركات الكبرى المسيطرة والمهيمنة تحظى بنصيب وافر من الدعم والقروض والمشاريع الحكومية، مقارنة بالشركات المتوسطة والصغيرة، ولا يمنع ذلك من دعم مبادرات البحث والابتكار ومشاريع التنمية الإقليمية.
تعزيز المنافسة العادلة
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
