هل الفقه في السعودية (فقه صحراوي بدوي)؟

 

 

الأربعاء - 10 ديسمبر 2014

Wed - 10 Dec 2014



انتشر لدى المثقفين العرب وصف الفقه في السعودية بالفقه الصحراوي البدوي، وأنه تأثر بالبيئة الصحراوية ونظرتها للمرأة، والفنون، والثقافة، والفلسفة، وقد راجت تلك المقولة لدى قطاع عريض من المثقفين في الخارج والداخل، فهل الفقه في السعودية فقه صحراوي بدوي؟ هذا الوصف محْضُ هجاء، يَنُمُّ عن جهل قائله بمقولات المذاهب الفقهية، وأصولها؛ فالفقه في السعودية فقه حنبلي في غالب أطروحاته، والمذهب الحنبلي مذهب فقهي له أصوله، واجتهاداته، وعلماؤه، وامتداده عبر التاريخ، وربما لا يعلم من أطلق هذا الوصف أن الفقهاء الحنابلة هم الوحيدون من أصحاب المذاهب الذين رفضوا إغلاق باب الاجتهاد حينما طرح في القرن الخامس، ولا يعرف – أيضًا - أن في الفقه الحنبلي جوانب ثرة تؤهله لطرح تأصيلات فقهية لمنتجات الحضارة المعاصرة؛ فهو يشارك المذهب المالكي بالقول بـ(المصلحة المرسلة)؛ وهذا يفتح المجال لتشريعات عديدة سكت عنها النص الديني في كل جوانب الحياة، وأجمع فقهاؤه على القاعدة الكلية في المعاملات: (الأصل في المعاملات والعقود الحل)؛ وهي قاعدة تؤصل للانخراط في التعاملات العالمية اليوم في مجال الاقتصاد والمال.

وهل معنى كلامي هذا أن فقهنا المحلي لا يعاني من أي أزمة، أو مشكلة، أو جمود؟ الحق أن الخطاب الفقهي في السعودية مثله مثل الخطاب الفقهي التقليدي في العالم الإسلامي كله يعاني من الجمود على تنظيرات الفقهاء القدماء، وإذا كانت المشكلة عامة فلماذا يوجَّه النقد للفقه في السعودية فقط؟، السبب في هذا أن الفقه التقليدي انتهى دوره – تقريبا - في التقنين في غير الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي، وبقيت له الهيمنة في السعودية على مجال التقنين في الفضاء الرسمي والشعبي، وهذا ما جعل أثره حاضرًا في واقعنا المحلي في مجالات الثقافة والإعلام والفن؛ وهي المجالات التي تتماس مع وظيفة المثقف، ولهذا أصبح الخطاب الفقهي السعودي ونقده ذا حضور في خطاب المثقف السعودي والعربي.

وهذا التماس للفقه في السعودية مع واقع الناس ولَّد مشكلة أخرى؛ إذ جعل مهمة الفقيه لدينا عسيرة؛ وذلك لأن غالب منتجات الحضارة اليوم في الثقافة والفنون والاقتصاد والاجتماع والسياسة يُطالب واقعُنا المحكوم بسلطة التقنين الفقهي بالتأصيل لها فقهيًّا، وهذه المنتجات قلَّما يستبين فيها وجه المصلحة والمفسدة، فهي في أغلبها مركبة منهما، وهذا ما يجعل إصدار الحكم الفقهي فيها عويصًا لا يستطيعه سوى فطاحلة الفقهاء، فيلجأ الفقيه لدينا إلى الاستنجاد بقاعدة (سد الذرائع)؛ وهي القاعدة المعبر عنها بالخطاب الفقهي المحلي بـ(سد باب الفساد)، ففيها إبراء لذمة الفقيه، وحماية لجاهه وسلطته أمام جمهوره المتدين؛ إذ استقر لدينا في العقل الجمعي المتدين أن التحريم والمنع دليل على الورع والتقى، وهذا ما دفع للتوسع في إعمال قاعدة (سد الذرائع) حتى تحول التوسع إلى معوِّق لبعض ما تمس الحاجة له من تحديث، وأدى – أيضًا - للتعسير على الناس، فمن أمثلة التوسع بإعمال هذه القاعدة: الموقف من المشاركة في الإعلام، وفتاوى تحريم جوال الكاميرا، وتعليم المرأة، والتصوير الفوتوغرافي؛ فكل هذه صدرت فتاوى في تحريمها سدًّا للذريعة، ثم ما لبث الأمر أن آلَ إلى القول بحلِّها لا عن بحث علمي، وتغير الوقائع، بل لسقوط الممانعة الشعبية المتدينة تجاهها، وهذا ما وضع الفقيه أمام الأمر الواقع؛ فكأنها أصبحت مما عمَّت به البلوى عنده، ومما لا يزال محرمًّا لسد الذريعة قيادة المرأة للسيارة، وتقرير الرياضة في مدارس البنات، وسيأتي اليوم الذي يدفع الفقيه إلى تغيير فتواه في ذلك رضوخًا للواقع، كما صنع سابقًا.

إن قاعدة (سد الذريعة) قاعدة مجمع عليها من الفقهاء، ومعمول بها في كل قوانين العالم، والإشكال في التوسع الفاحش فيها مع أن حاجة الأمة ومصالحها تحتم علينا أحيانا أن نفتح الذرائع، فالأصوليون الذين قرروا قاعدة (سد الذريعة)، هم أنفسهم الذين قرروا (فتح الذريعة)، ووضعوا قاعدة (ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة)؛ قال ابن العربي: «اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم»، وقال ابن تيمية: «ما كان منهيًّا عنه سدًّا للذريعة فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة»، وحاجات المجتمع اليوم في مجالات الثقافة والرياضة والفن والأمور الاجتماعية، والنواحي المعيشية كثرة جدا، وقديما قال سفيان بن عيينة:» إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيُحسنه كل أحد».