يعتريني إحساسٌ غريبٌ بالتَّاريخ ومَشاهده كلَّما التزمتُ الطَّريق بين جدَّة ومكَّة المكرَّمة، أوْ حين آخُذ طريقي بين أُمّ القرى والطَّائف، فأنفصل عمَّا يُحيط بي، كأنَّه لا أثر له، فلا شيء إلَّا ما تُحِسُّه نفسي ويستعيده عقلي، وسَرْعان ما تَكِرُّ القرون بي فأرجع إلى أزمنة مضتْ، وكأنَّما لكلِّ ناحية قصَّة، ولكلِّ جبل خبر، وحيثما سِرْتُ تأخذني أسماء تلك الأمكنة، إلى عُصُور خلتْ، يرتفع تاريخها إلى عصور الإسلام الأولى، وإلى تاريخ العرب في جاهليَّتهم، وأعزُّ تلك العصور ما اتَّصل بحياة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – والصَّدر الأوَّل مِنَ الإسلام، فتلك الأمكنة والجِبال والوديان والثَّنِيَّات ليستْ كغيرها، إنَّها الأمكنة الَّتي نُحِبُّها، فلطالما ألهبتْ أسماؤها، حين تطالعنا، قلوبنا، وطالما أثارتْ ما كمن فيها مِنْ شوق، فيحضر، حين تحضر، تاريخ غار في ذاكرتها، لا يكتشفه إلَّا مَنْ عَرَفَ طَرَفًا مِنْ مُخَبَّآتها، فإذا أَلَمَّ بها حَرَّكَتِ القلوب، ولمْ تَكَدْ تدعها تستقرُّ، فهنا «شِعْب بني هاشم»، وهناك «كداء»، وثَمَّ «أذاخر»، و»المحصَّب»، و»الأبطَح»، و»قَزَح»، وما مِنْها إلَّا ما اتَّصل بسيرة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وصحبه الكِرام.

وأذكر أنَّه كلَّما قرأْتُ كِتاب الأغاني يُخَيَّل إليَّ أنَّ الأمكنة الَّتي كانتْ، مِنْ قَبْلُ، صَمَّاء لا تعني أحدًا، تنمو وتكبر، إذا مَرَّ بها التَّاريخ ونزل بها، إذا بها شيء آخَر، لأنَّها استودعتْ شيئًا مِنْ أنفسنا، فكلمات الشِّعْر استكنَّتْ في دروبها ومسالكها، وكأنَّ ما سقط إلينا مِنْ ذلك الشِّعر القديم «مستودع» تلك الأمكنة، وإذا بها يَمَسُّها طائف مِنْه، حتَّى لنكاد نحسبها مفردة مِنْ مفرداته. اعتراني ذلك وأنا أقرأ شِعْر عمر بن أبي ربيعة، والعرجيّ، فإذا بما كان مألوفًا معتادًا مِنْ تلك النَّواحي أدنى إلى «الشِّعْر»، وإذا بها تنضح بالمعنى، ولولا بيت مِنَ الشِّعْر مطويّ في ديوان شاعر ما، نقرأه فيبعث أمكنة طواها النِّسيان = ما أحسسْنا بها. ولا أزال، إلى يوم النَّاس هذا، أُمَنِّي النَّفس، بأنْ أزور بلدة «كُلَيَّة»، غير بعيدٍ مِنْ جدَّة، لأنَّها وردتْ في شِعْر نُصَيب، ولأنَّ صاحب الأغاني قال: إنَّها بلد نُصَيْب وكُثَيِّر عزَّة، فما بالك حين ترتقي تلك الأمكنة والدُّرُوب والمَسالك، باتِّصالها بسيرة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – والصَّدر الأوَّل مِنَ الإسلام؟! فأتخيَّل مقام النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فيها، ومروره بها، وأكاد أُحِسُّ أنَّ هذا الجَبَل، وتلك الثَنِيَّة يودُّ أحدهما لوْ يبوح بما استقرَّ في ذاكرته، وأكاد أتخيَّلها كائنًا حيًّا له فؤاد وعاطفة ولسان، وأجِدُنِي أُرَدِّد بيتًا بديعًا لعبد الله بن خميس:

لَوْ أَبَاحَتْ بِمَا لَدَيْهَا الطُّلُولُ

يُّ شَيْءٍ تُبِينُهُ لَوْ تَقُولُ؟

وأكثر ما يكون الشَّوق إذا يَمَّمْتُ وجهي نحو المدينة المنوَّرة، ويلوح لي طريق الهجرة، حتَّى يُخَيَّل إليَّ أنَّني أرى الرَّكب النَّبويّ، انفصل مِنْ مكَّة المكرَّمة، خفيةً، ومَرَّ بهذه الأمكنة الَّتي أعرفها، اليومَ، حقَّ المعرفة، فكمْ جُزْتُ بها، حينًا بعد حين، لكنَّها ليستْ كغيرها مِنَ الأمكنة لَمَّا مَسَّها أثرٌ مِنْ ذلك الرَّكب المبارك، فأرمي ببصري إلى غير ناحية مِنْها، أسألها خبر تلك الرِّحلة، وأكاد أستنشق في بطحائها طِيب النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وفي كُتُب الرِّحلة الحجازيَّة – وأنا مشغوف بها – أتتبَّع أمكنة قافلة الحجّ، وهي تخبُّ نحو الدِّيار المقدَّسة، في سَيْرها المطمئنّ، تهبط في هذه المحطَّة أوْ تلك، فتُثِير تاريخًا غار فيها، وعليها مِنْ جلال النُّبُوَّة سِمَة، وأشكر للحجّ أنْ كان ذاكرة حيَّة لتلك النَّواحي، ولأؤلئك الرَّحَّالين الَّذين تَعَلَّقتْ أفئدتهم بتلك المسالك والدُّرُوب، واستشعروا ما اكتنزتْه مِنْ ضُرُوب الشَّوق والتَّوق، وأحسُّوا ما فيها مِنْ حياة، مهما كانتْ وعرة مقفرة.

وليس كالحجيج إحساسًا بتلك الأمكنة، إنَّ كلَّ حاجٍّ ضرب في الأرض إنَّما سار على خُطَا إبراهيم الخليل – عليه السَّلام – ويسلك دُرُوبًا طالما سلكها النَّبيُّون، مِنْ قَبْلُ، إلى البيت العتيق، ويلتمسون أيَّ طريق مَرَّ به النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – في حَجَّة الوداع، فيسكبون العَبَرات، وتَهِيجهم الأمكنة، فلا تكاد تستقرُّ أفئدتهم.

حَجَّ محمَّد حسين هيكل عام 1355هـ، وحمله الشَّوق إلى أن يزور الأرض الَّتي نشأ فيها النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وسار في دروبها ومسالكها، ولَمَّا زار طه حسين جدَّة سنة 1374هـ، قصد مكَّة المكرَّمة معتمِرًا، وأوصى سائقه أن يوقف المركبة إذا بلغ «الحديبية»، فلمَّا بلغها، أمسك بقبضته ترابها، وجعل يشمُّه ويبكي، ويقول: أكاد أشُمُّ رائحة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – ونقرأ في حَمَام الحِمَى شوق جمال الغيطانيّ وتوقه إلى تلك الأمكنة الشَّريفة، وعاش في ذلك الماضي الوضيء، مهما كان بين النَّاس، وقَدَّر أنَّه يخطو حيث خطوات النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وجعل يتخيَّل أنَّ نخيل المدينة المنوَّرة مِنْ ذلك النَّخيل الَّذي كان في الصَّدر الأوَّل، وأنَّ حَمَام البيت مِنْ تلك الحَمَامة الأولى، وأنَّ كلَّ ما حوله إنَّما يُذْكِره بأمكنة طالما مَرَّ بها النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وصحبه الكرام.

تُحَوِّلنا تلك الأمكنة إلى متصوِّفةٍ، ولوْ لمْ نكنْ مِنْ أهل الطَّريق، لأنَّنا نلتمس ما اختبأ فيها، نسألها أنْ تبوح بسِرِّها، فعسى أنْ تطمئنَّ قلوبنا، فنفزع إلى كُتُب المسالك والبلدانيَّات نُثِير كلماتها، ونستصفي مِنْها ما كان ألصق بتاريخ تخفق حوله أرواحنا، نتبع خُطُوات أبي عليّ الهجريّ، وصاحب كِتاب المناسك أو الطَّريق، ونذوق طعم تلك الأمكنة، ونكاد نعيد سِيرتها الأولى، وألوذ بعاتق بن غيث البلاديّ، أتتبَّع كُتُبه فتثير مِنْ ألوان الشَّوق فوق ما يطيقه الفؤاد، وأسأل الله – تبارك وتعالى – له الرَّحمة والمغفرة.

لكنَّني لمْ أُحِسَّ أنَّ للأمكنة لحمًا ودمًا إلَّا حين قرأْتُ كِتاب كأنَّك معه، صفة حَجَّة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كأنَّك معه لعبد الوهَّاب بن ناصر الطّريريّ، فهذا كِتاب لا يُقْرَأ كغيره مِنَ الكُتُب الَّتي في بابه، وإنَّما تقرأه بعين الفؤاد، مهما كانتْ هذه الكلمة أدنى إلى الشَّوق مِنْها إلى العِلْم، وأنا لا أنفي عنْ تلك الكُتُب جلالها وقَدْرها، وأنَّها تُثِير ألوانًا مِنْ الحنين والشَّوق، مهما كانتْ في الفقه والمناسك، لا سيَّما ما اقتصر مِنْها على شرح مقاصد حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ في صفة حَجَّة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – حتَّى عُدَّ «مَنْسكًا» برأسه، وحتَّى كأنَّ ذلك الحديث البديع إنَّما يَصِف أوَّل رحلة مِنْ رحلات الحجّ!

إذنْ في كِتاب الطّريريّ ما في كُتُب «المناسك»، ويُشْبه سواه مِنَ الكُتُب الَّتي وقفتْ على بيان صِفة حَجَّة النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لكنَّه يباينها في أُمور؛ أوَّلُها أنَّه تاريخٌ رُوحيٌّ لتلك الحجَّة، مهما اتَّصل بالتَّاريخ، وثانيها أنَّ عبد الوهَّاب الطّريريّ أراد لكِتابه هذا أن يكون «رحلة على رحلة»، ذلك أنَّه لمْ يقتصرْ على أسانيد حَجَّة الوداع، مِمَّا وَرَدَ في كُتُب الفقه والمناسك، لكنَّه أَتْبَعَ ذلك بأنْ وَقَفَ على تلك الأمكنة الَّتي اجتازها الرَّكب النَّبويّ المبارك، عند مبارحته المدينة المنوَّرة حتَّى أوبته إليها، وفي أثناء هبوطه مكَّة المكرَّمة، ومقامه في مِنًى وعرفات والمشعر الحرام، وما اكتنفها مِنْ نواحٍ. ومهما أردتَ بيانًا للكِتاب فإنَّك لنْ تعدمه فيه، فهو كِتابٌ في المناسك، كما هو كِتاب في التَّاريخ والسِّيرة، وتستطيع أنْ تتَّسع في تصنيفه فتعتدَّه كِتابًا في الرِّحلة إلى الحجّ، وكِتابًا في الشَّوق والإشراق والتَّصوُّف، وأحسب أنَّ أَخَصَّ ما يختصُّ به كِتاب كأنَّك معه تعيينه للمسالك والدُّروب الَّتي مَرَّ بها الرَّكب النَّبويّ الشَّريف، وهذه خصيصةٌ لمْ تُتَحْ لسواه مِنَ الرَّحَّالين والدَّارسين.

أراد عبد الوهَّاب الطّريريّ مِنْ وراء كِتابه هذا أن يكون مَجْمعًا للنُّصُوص، جمع فيه الأحاديث المختلفة في سياق واحد، بعد أن انتخب مِنْها ما يُؤدِّي إلى الطَّريقة الَّتي بنى عليها كِتابه، فكان «رحلة» على «رحلة»، يسلك الدَّرب الَّذي سلكه الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – ويهبط الوادي الَّذي هبطه، ويرتقي الجبل الَّذي ارتقاه، وأيَّما ناحية قصدها الرَّكب النَّبويّ الشَّريف، وقف عليها الطّريريّ، ويزيد على كُتُب القوم في «البلدانيَّات»، و»المناسك»، و»المسالك»، بتلك «الشِّعْريَّة» الَّتي انبثَّتْ في أوصاله، مِنْ أوَّله إلى آخره، فتغلبك العاطفة، حين تقرأه، ويتسرَّب إليك قَدْر عظيم مِنْ تلك الأشواق، حتَّى يَصْدق ما وصف به كِتابه، فتنسى نفسك، ويعتريك إحساس «كأنَّك مع النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم –»، بلْ كأنَّك تراه رأي العين.

وكِتاب كأنَّك معه مصداقٌ لِمَا يُحِسُّه كلُّ مَنْ أَلَمَّ بتلك الأمكنة الَّتي قرأناها، أوَّلًا، في «طريق الهجرة»، ثُمَّ ها نحن هؤلاء، نُلِمُّ بها في «الرَّكب النَّبويّ»، يقف عبد الوهَّاب الطَّريريّ على تلك الأمكنة يسألها، وتجيبه فتبعث في قلبه صُنُوفًا مِنَ المشاعر الَّتي يَعْرفها كلُّ مَنْ مَرَّ بها، فما ظَنُّك بمنْ قصدها، واختلف إليها، وغَشِيها، وأطال اللَّبث فيها، وسأل، واستخبر أهلها، وحقَّق المواضع والدُّرُوب، وأدام بصره في رملها، وبطحائها، وسَمُرها، وثَنِيَّاتها، وكلَّما لبث في ناحيةٍ مُدَّةً ثار فؤاده، وبعثتْ تاريخًا عزيزًا، يشبه الشِّعْر، وجعل يُجِيل في خياله أسئلةً طالما جالتْ في خواطرنا: تُرى ما الَّذي أحسَّه النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – حين اجتاز طريقًا كان قدِ اجتازه لَمَّا هاجر إلى المدينة المنوَّرة، ويمتدُّ خياله إلى تلك الأرض الَّتي لا تشبهها أيُّ أرض:

«يا لله.. ماذا ستقول الأرض الَّتي يطؤونها، والفِجَاج الَّتي يعبرونها، والجبال الَّتي يمرُّون بها؟ ماذا ستقول لوْ نطقتْ، وهي تروي عظيم الفرق بين هذا المسير وذاك المسير؟

ألمْ أقلْ: إنَّ تلك الأمكنة ليستْ صُمًّا، إنَّ لها لنبأً عجيبًا، وها هو ذا عبد الوهَّاب الطّريريّ يسألها فتُجِيب، ففي كلّ ناحية أثر مِنْ آثار النَّبيِّين – صلوات الله وسلامه عليهم – وإذا تأمَّلْنا أسماءها تراءتْ لنا مألوفة معهودة، ولعلَّنا نجتاز بها كلَّ يوم، ولا نَعْرف أيَّ تاريخ مقدَّس تختزنه ذاكرتها، وحَسْبُكَ أنَّ «الرَّوحاء»، و»هَرْشَى»، و»وادي الأزرق» ، و»عُسْفان» = كلُّ تلك النَّواحي مَرَّ بها هود وصالح وإبراهيم وموسى ويونس ومحمَّد – صلَّى الله عليهم وسلَّم – في طريقهم إلى البيت العتيق، وسيتبعهم فيه عيسى ابن مريم – عليه السَّلام – وأحسب أنَّه ليس مِنْ وصْف يفوق كلمات عبد الوهَّاب الطّريريّ لَمَّا ذاق حلاوة تلك الأمكنة، فقال: «إنَّك وأنت تسير هذا المسير تستشعر أنَّك ذو نسب في الهداية عريق»!

«إنَّه مسير سار فيه أنبياء الله ورُسُله عليهم السَّلام، فادْعُ ربَّك الَّذي سَيَّرَكَ في طريقهم الَّذي سلكوه أن يجمعك بهم في نُزُلهم غدًا في الآخرة: {مع الَّذين أنعم الله عليهم مِنَ النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا} [النِّساء: 69]».

لا أحسب أنَّ كِتاب كأنَّك معه سأجتاز به كما أجتاز بكُتُب أخرى، إنَّه أدنَى صِلةً بالرُّوح، وهذا الضَّرْب مِنَ الكُتُب يحتلُّ موقعه في الذَّاكرة والفؤاد، ولا أحسبني، حين أغشى مكَّة المكرَّمة وما حولها، إلَّا أُدِيم النَّظر في تلك المواضع الَّتي مَرَّ بها الرَّكب النَّبويّ الشَّريف، سأبحث في محلَّة «جرول»، عنْ بئر «ذي طُوَى»، وفي «الحَجُون» عنْ «ثَنِيَّة كَدَاء»، و»جبل أذاخر»، حتَّى إذا بلغتُه، أعود، مع عبد الوهَّاب الطّريريّ، إلى ذلك العهد، حتَّى كأنَّني في مَسِيل الوادي، فأسمع أصدق تلبية لهج بها لسان، وأكاد أرى صِبْيَةً مِنْ بني عبد المطَّلب يستقبلون أكرم مَنْ حَجَّ ولَبَّى – صلَّى الله عليه وسلَّم – «فحمل واحدًا بين يديه وآخَرَ خلفه»، وهكذا سيكون دأبي إن ألممْتُ في شِعاب البلد الحرام وبطحائه.

سكنتْ تلك الأمكنة عقل عبد الوهَّاب الطّريريّ وفؤاده، ذاق حلاوتها، وأحسَّ جلالها، فبدتْ له على غير ما اعتاده آخرون، ذلك أنَّه أراد أن يقف حيث وقف النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وحين صار إلى ما أراد، التمس فيها أثرًا مِنْ ذلك التَّاريخ العظيم، وانطلق يتخيَّل شُعُور النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لَمَّا أشرف على البيت العتيق:

«دخل صلَّى الله عليه وسلَّم الحرم، فإذا هو على مِلَّة أبيه إبراهيم، ليس حول الكعبة صنم، ولا يطوف بها عُريان، ولمْ يحُجَّ إليها مشرك، دخل النَّبيُّ الحرم.

فيا لله ما الَّذي كان يتداعى في خاطره تلك السَّاعة، وساحةُ الحرم تنفسح أمام عينيه؛ هذه السَّاحة الَّتي شهدتْ دعوته وبلاغه وبلاءه، وصبره على أذى قومه وجراءتهم عليه.

أما دخل الحرم ليصلِّي فيه قبل نحو عشر سنين، فألقوا سَلَى الجَزُور على ظهره وهو ساجد!

أما دخل الحرم فقام إليه ملأ مِنْ قريش، فأخذوا بمجامع ردائه بمجامع ردائه فخنقوه به، حتَّى جاء أبو بكر فخلَّصه مِنْهم، وهو يقول: أتقتلون رجُلًا أن يقول ربِّيَ اللهُ؟!».

والحقُّ أنَّ الكِتاب تقرأه فيغلبك الدَّمع، وأنت تشاهد المَشاهد الَّتي وقف بها النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وتُحِسُّ الكلمات حارًّةً. وعلى ما انطوى عليه مِنْ ألوان الوجْد والشَّوق، فليس أبلغ، ألمًا، مِنْ تلك القِطَع الرَّائعة الَّتي أراد فيها عبد الوهَّاب الطَّريريّ لعقله أن يتخيَّل حال النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لَمَّا أَتَمَّ حجَّه، فيتخيَّلها «مزيجًا مِنَ المشاعر تمور في ذلك القلب الكبير المنير، هي مزيج مِنْ مشاعر الفرح بالإتمام ومشاعر اللَّوْعة بالوداع»، وتكاد كلمات الطّريريّ تأخذني إلى السَّنة العاشرة مِنَ الهجرة، وأنتخب مِنْها مَشْهدًا مؤثِّرًا مبكيًا، مشهد الوداع؛ وداع الكعبة المشرَّفة، ووداع مكَّة، «خير أرض الله ، وأحبّ أرض الله إلى الله»:

«رَبَّاه! كيف كان شُعُوره ومشاعره حين خرج مِنْ مكَّة، وهو يعلم أنَّ هذا الوداع هو الوداع الأخير؟

كيف نظر إليها وهو يعلم أنَّها النَّظرة الأخيرة؟

كيف تداعتْ ذكريات مكَّة وهي خزانة حياته وبيت عمره، ففيها طفولته وصِباه، فُتُوَّته وشبابه، رُجولته وكُهولته، قضاها في شِعابها ومَضايقها، وجِبالها وفِجاجها، وحَرَمها وكعبتها، في كلّ هذه المرابع توزَّعتْ أيَّام عمره وأحداث حياته؟

بلْ ماذا كانتْ تقول جبال مكَّة الَّتي كانتْ تُؤَوِّبُ معه؟ وماذا قالتْ أحجارها الَّتي كانتْ تسلِّم عليه؟ وماذا يقول ترابها الَّذي طالما حَمَلَ قدمه ماشيًا، وتَلَقَّى وجهه الكريم ساجدًا؟ ماذا تقول دُروب مكَّة الَّتي طالما مشى فيها وتَقَلَّبَ بين رِباعها؟

يا لِلَوْعة الوداع! فكيف بمَن يعلم أنَّه الوداع الَّذي لا لقاء بعده: «لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا»؟

ما شُعوره صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وهو يخرج مِنْ مكَّة فينظر وهي آخر نظراته إليها، وآخِر أيَّامه فيها، وآخِر خُطواته عليها؟

مَن يستطيع أن يحتشد لتلك الأحاسيس فيتصوَّرها ثُمَّ يصوِّرها؟ مَن يستطيع أن يتذوَّق هذه المشاعر ثُمَّ يصفها؟

أين في شِعْر الشُّعراء وبلاغة البلغاء ما يصف لنا هذا الوَجْد أوْ يقرِّبه؟ أمَّا نحن فيكفينا أنْ نتخيَّل المَشهد فتخفق القلوب، وتَهيج المشاعر، وتقترب حال مِنْ حال!