حجَّ المصلح الدِّينيّ السَّيِّد محمَّد رشيد رضا عام 1334هـ، ونشر فُصُول رحلته إلى الحجاز في مجلَّة المنار، في عشر مقالات، وتولَّى الدَّكتور يوسف إيبش جَمْع رحلاته، بما فيها الحجازيَّة، وتحقيقها، ونشرها في كِتاب دعاه رحلات الإمام محمَّد رشيد رضا.

ويستجلب النَّظر في رحلة الحجاز أنَّ صاحبها أنشأها فُصُولًا تُنْشَر منجَّمةً في مجلَّة لها قُرَّاؤها في العالَم الإسلاميّ كلِّه، وعساه أراد مِنْ تلك الفُصُول العشر إمتاع قُرَّاء المنار، وحَثّ القادرين مِنْهم على الحجِّ إلى البيت العتيق، على أنَّ هذه الرِّحلة لمْ تَخْلُ مِنْ وصْف ما اتَّفق له مِنْ حوادث، منذ نوى الحجّ واعتلى السَّفينة القديمة المبحرة إلى جدَّة، وأحوال الطَّريق مِنْها إلى مكَّة المكرَّمة، وكانتْ رحلته تلك، على ما فيها مِنْ متعة السَّرد، تأريخًا حيًّا لحياة النَّاس في الحجاز، ووصفًا بديعًا للأمكنة الَّتي اجتازها.

وفي عشر المقالات تلك طرائف مهمَّة في التَّاريخ الاجتماعيّ والثَّقافيّ، ويُهِمُّنا حديثه الَّذي تَكَرَّرَ غير مرَّةٍ عن استتباب أمن الحجّ في الحجاز، وأنَّ الحكومة أَمَّنتِ الطُّرُق، وأخذتْ على أيدي المجرمين، وربَّما كان مِنْ أطرفها ذلك الحديث الطَّويل عن حافظة الماء البارد في السَّفَر «التُّرموس»، وقدْ كان، آنئذٍ، مِمَّا يُهديه الملوك والسَّلاطين والكُبراء إلى مَن يختصُّونهم بالتَّشريف والتَّكريم، وكان السَّيِّد رشيد رضا قدْ احتاز واحدةً مِنْها هديَّة مِنْ سلطان مسقط، ووصفها لنا وصفًا بديعًا، لأنَّه إنَّما ينقل إلى قارئه بِدْعةً جديدةً مِنْ بِدَع الحضارة الحديثة، وكان الرَّجل مولعًا بشرب الماء المثلوج أينما كان، وكان هذا «التُّرموس» العجيب رفيقه في الحضر والسَّفر!

ومؤرِّخ «القهوات» في الحجاز، وخاصَّةً تلك الَّتي تَناثرتْ في الطَّريق ما بين جدَّة ومكَّة المكرَّمة، يظفر بمادَّةٍ ممتازة عنْ أمكنتها وأحوالها في رحلة الإمام، ويُكْمِل، بذلك، ما ألمح إليه نفرٌ مِنَ الرَّحَّالين المغاربة، مِمَّنْ لمْ يَفُتْهم وصْف «القهوات» الَّتي كانتْ بمنزلة الفنادق والخانات على طُرُق الحجّ، على أنَّهم أطنبوا في وصْف ما كان مِنْها في الطَّريق الَّذي يسلكونه ما بين جدَّة ومكَّة المكرَّمة، فإذا قرأْنا ما أنشأه أولئك الرَّحَّالون، مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ أنعمنا النَّظر في ما ساقه السَّيِّد رشيد رضا عنها، ألممْنا بشيء مِنْ تاريخها وهيئاتها وأسمائها، وما يُباع فيها مِنْ أصناف الطَّعام والشَّراب، ولا سيَّما اللُّحوم والدَّجاج والقهوة والشَّاي، واتِّخاذها نُزُلًا وفندقًا إنْ لزم الأمر، بلْ إنَّ تلك «القهوات» كان لها تاريخ إلى زمن قريب، ويَعْرِف مَنْ أدرك طَرَفًا مِنَ الطَّريق القديم الَّذي يسلكه الحجَّاج والمعتمرون والمسافرون إلى مكَّة المكرَّمة، أنَّ مِنْ تقاليد الرِّحلة أن يتوقَّف المسافرون في «قهوات» بلدة بحرة، ثُمَّ يستأنفوا رحلتهم.

وعلى أنَّ السَّيِّد رشيد رضا أراد لرحلته أنْ تخلص للحجّ وحده، ومع أنَّه أفلح في ذلك، فإنَّها لمْ تَخْلُ مِنْ أحداث ذلك الزَّمن، فالحرب العالميَّة الأولى، أوْ «الحرب الأوربِّيَّة»، كما يدعوها، كان لها أثرٌ كابٍ على هذه الشَّعيرة، حينما تَعَطَّلتِ الطُّرُق النَّافذة إلى الحجاز، بَرًّا وبحرًا، وحِين أقبل على مكَّة المكرَّمة كان حديث النَّاس عنْ ثورة الشَّريف حسين بن عليّ – أمير مكَّة وشريفها آنئذٍ – على الأتراك، وفي تلك الأثناء كانتْ حكومة جديدة قدْ تألَّفتْ في الحجاز، نُشِرَ بيان تأليفها في صحيفة القبلة – لسان حال الشَّريف حسين – بلْ إنَّ النُّخبة العالمة ومَن اتَّصل بها مِنَ رجالات الحُكْم والسِّياسة، كانتِ «الخلافة» الَّتي أطاح بها الكماليُّون في تركيا، مِمَّا يعالجونه في كلامهم، ولا نَنْسَ أنَّ صاحب مكَّة المكرَّمة كان يُعِدُّ نفسه لبلوغ ذلك المنصب الإسلاميّ الجليل.

كان السَّيِّد محمَّد رشيد رضا مصلحًا دينيًّا كبيرًا، وإنَّنا لنقف على أثر ذلك في رحلته الحجازيَّة، مِنْ ذلك أنَّه أخذ على نفرٍ مِنَ «الطُّرُقيِّين»، رقصهم ومواجدهم على السَّفينة، وأنَّهم إنَّما يتَّخذون دينهم لعبًا ولهوًا، حتَّى إذا بلغ جدَّة، كان في استقباله العالِم السَّلَفِيّ الشَّيخ محمَّد حسين نصيف، ونَعْرِف مِنَ الحديث الَّذي دار بينهما أنَّ «الإصلاح الدِّينيّ» كان مِمَّا يُهِمُّ الشَّيخين، وأنَّ الحجازيِّين، آنذاك، كانوا يرتابون في الدَّعاوَى الَّتي ذاعتْ في تركيا وديار العرب، وبخاصَّةٍ ما كان فيه استهانة بأمر الدِّين وشعائره، وربَّما كان لمقام صاحب المنار ومركزه الدِّينيّ في العالَم الإسلاميّ ذريعةٌ لأن يكون جُلُّ ما دار بينه وبين علماء جدَّة ورجالاتها متَّصلًا بالإصلاح، ثُمَّ لا ينبغي لنا أنْ ننسى أنَّ القوم، آنئذٍ، كانوا أشدَّ حنقًا على «الكماليِّين» ومَنْ شايعهم، فساغ أن يسود الحديث في هذه المسألة دون سواه، وأحْسب أنَّ هذه الرِّحلة، رُغم قِصَرها، جَلَتْ لنا شيئًا مِمَّا يشغل النُّخبة العالمة في مدينة جدَّة، ومقدار ما للسَّيِّد رشيد رضا، وأستاذه الشَّيخ محمَّد عبده مِنْ قبله، مِنْ تأثير، وحسْبُ هذه الرِّحلة أنْ تُذْكِرنا بأسماء الشَّيخ محمَّد حسين إبراهيم الفقيه، والشَّيخ أحمد الزَّهرة، والشَّيخ أحمد طه رضوان، والشَّيخ إسحاق بن حسن العبَّاسيّ، والشَّيخ محمَّد سعيد دردير خطيب مسجد عكَّاش، بلْ إنَّنا نردُّ حفاوة أعيان جدَّة وعلمائها بمقدم صاحب الرِّحلة إلى شرائط التَّقاليد، حيث إنَّه ضيف أمير مكَّة وشريفها، لكنَّنا لا نَعْدو الحقيقة حين نقرِّر أنَّ هذا الدَّاعية الدِّينيّ الجليل له مقامه في العالَم الإسلاميّ الفسيح، وفي الحجاز خاصَّةً، وأنَّ الحجازيِّين، في ذلك العهد، كان قد اقتفَى جمهرة مِنْهم طريق الإصلاح ذلك الَّذي جهر به الأستاذ الإمام محمَّد عبده وسار في دربه، مِنْ بعد، تلميذه السَّيِّد محمَّد رشيد رضا، على أنَّه ليس قليلًا أنْ تُظْفرنا تلك المقالات العشر بهذه الكلمة الَّتي تجلو لنا طَرَفًا مِنَ الأفكار الَّتي اضطربتْ في قلوب علماء جدَّة، وأهمُّها، عندي، قوله:

«مِنْ أجل هذا صار بعض الحجازيِّين يسيء الظَّنّ بجميع أفراد هذه النَّابتة الجديدة، وبعضهم يجعل سِيرة هؤلاء الغاوين، حُجَّةً على مَنْ ظهرتْ عدالتهم مِنَ الوافدين. أمَّا طبيعة الحَرَم بلْ طبيعة جزيرة العرب، فلا تُطيق الصَّبر الطَّويل على إلحاد الملحدين، ولا على توسيد الأعمال إلى الفُسَّاق المجاهرين، وأمَّا ما عدا الجزيرة مِنَ البلاد العربيَّة فستحذو نابتتها حذْو النَّابتة التُّركيَّة، وإنَّ فيها مَن يودُّ تقليد جمعيَّة الاتِّحاد، في السِّياسة والعصبيَّة والإلحاد، ولكنَّ آمالهم أدنى مِنْ آمالهم، ومآلهم شرٌّ مِنْ مآلهم، فإنَّهم لا يرجون أن يكون لهم دولة كالدَّولة العثمانيَّة يغلبون على أمرها، ويعتزُّون بقوَّة ما لها وقوَّة جُنْدها وسيظهر حالهم ومقصدهم، وما يكون مِنْ تأثيره في بلادهم وأُمَّتهم».