سمَّى المحاميّ والصَّحفيّ العراقيّ سليمان فيضي رحلته إلى الحجاز التُّحفة الإيقاظيَّة في الرِّحلة الحجازيَّة، واصطنع لروايته عنوان الرِّواية الإيقاظيَّة، وكان مِنْ قَبْل قدْ أنشأ في مدينة البصرة صحيفة الإيقاظ.

نقرأ في كِتاب الأعلام لخير الدِّين الزِّرِكليّ أن سليمان فيضي (1302-1370هـ=1885-1951م): حقوقيّ أديب مِنْ مقدَّمي الكُتَّاب. وُلِدَ بالموصل، وتعلَّم بها ثُمَّ بالمدرسة العسكريَّة ببغداد، وانتُخِبَ سنة 1914م نائبًا عن البصرة في مجلس النُّوَّاب العثمانيّ، وكان في بغداد 1920-22 مدرِّسًا للتَّطبيقات القانونيَّة (الصُّكوك) بمدرسة الحقوق، وعمل في المحاماة، وله جملة مِنَ المؤلَّفات في القانون، والأدب، والتَّاريخ.

ويجلو لنا ابنه باسل في تقديم مؤلَّفاته المختارة طَرَفًا مِنْ جهاد أبيه، ونَعْرِف أنَّه كان معدودًا في رجال النَّهضة القوميَّة والوطنيَّة في العراق، وأنَّه مِنْ دُعاة الإصلاح السِّياسيّ. والحقّ أنَّ ذلك يظهر في شغف سليمان فيضي بمفردة «الإيقاظ»، واختيارها عنوانًا لصحيفته الَّتي كانتْ أُولى الصُّحُف الأهليَّة في العراق، ورحلته الحجازيَّة، وروايته.

إذنْ، نحن بإزاء رحَّالة ما اتَّخذ مفردة «الإيقاظ» عنوانًا لرحلته الحجازيَّة إلَّا لأنَّه حين نوى الحجّ إلى بيته الحرام، في غضارة الشَّباب، رأى أنَّ مِنْ منافع هذه الشَّعيرة معاني «اليقظة» و»النَّهضة» و»التَّرقِّي»، وهي تلك المفردات الَّتي ذاعتْ على أقلام جمهرة واسعة مِنْ مثقَّفي عصر النَّهضة العربيَّة والإسلاميَّة، في تلك المُدَّة الَّتي أعقبتْ إعلان الدُّستور العثمانيّ، سنة 1326هـ=1908م، وبلغ أثرها غير ناحية مِنْ نواحي العالَم الإسلاميّ، والمشرق العربيّ بخاصَّةٍ، حتَّى رأينا أنَّه ما مِنْ أديب أوْ صاحب رأي إلَّا وكان عليه مِنْ ذلك الإعلان أثر، وانتهى شيء مِنْ ذلك كبير إلى الحجاز، فأخرج نُخبه عمَّا استقرَّ في وجدانهم مِنْ قديم الثَّقافة.

على أنَّه ليس بغريب أوْ عجيب أن يذهب سليمان فيضي هذا المذهب، فيعتدُّ الحجَّ «إيقاظًا» للجماعة الإسلاميَّة، ذلك أنَّ مِنْ مقاصد الحجّ الَّتي يذوقها أولو البصر «اليقظة» و»النَّهضة»، فلن يتحقَّق في وعي الجماعة المسلمة معنًى «الأُمَّة» إلَّا في الحجّ، وإلَّا في الدِّيار المقدَّسة الَّتي يجتمع فيها مِنْ كلّ أنحاء العالَم الإسلاميّ مَن استطاع إلى الحجّ سبيلًا، بلْ إنَّنا نرى غير داعيةٍ مِنْ دُعاة النَّهضة، وغير سياسيّ يعتدُّ مكَّة المكرَّمة، ويرى في الحجّ، البيئة الصَّالحة لنهضة إٍسلاميَّة جديدة، وإذا ما أردْنا على ذلك الشَّاهد والمثل، فسيُخْرجنا ذلك عمَّا نحن بسبيله، وبحسْبنا أنْ نذكر كِتاب أُمّ القرى للمصلح الاجتماعيّ والسِّياسيّ الجليل عبد الرَّحمن الكواكبيّ، وموقعه في النَّهضة العربيَّة مذكور معروف، بلْ إنَّ الاستعمار الغربيّ، ولا سيَّما الفرنسيّ والهولنديّ، كان يقرأ في الحجّ غير ما يقرأه عوامُّ المسلمين. نعمْ، كان الحجّ، ولا يزال، الرُّكن الخامس مِنْ أركان الإسلام، ولكنَّهم رأوا أنَّ شُعُور المسلمين بمعنى «الأُمَّة» لا يتحقَّق إلَّا في الحجّ، وكانتْ مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، وكانتِ المشاعر المقدَّسة ذلك المَعِين الَّذي يَرِدُه المسلمون، فيعودون أقوى شُعُورًا بأنَّهم أُمَّة واحدة، كما أرادهم الله – تبارك وتعالى – فلمَّا أدرك المستعمر تلك القوَّة الَّتي استكنَّتْ في هذه الشَّعيرة الدِّينيَّة العظيمة، جعل يضع العقبات والعراقيل، ويختلق الأعذار حتَّى لا يُمَكِّن مسلمي الجزائر وإندونيسيا مِنَ الحجّ إلى البيت العتيق، مخافة أن يلتقوا بإخوة لهم، فيعودوا، وكلُّهم تصميمٌ على أن يجاهدوا المستعمر ويناضلوه.

وما العراق بمختلف عمَّا حدث في غير ناحية مِنْ ديار الإسلام، فساغ أن يقرأ سلميان فيضي في شعيرة الحجّ معنى «الإيقاظ»، وليس «اليقظة»، فحسْبُ، وساغ أن تذيع هذه المفردة في أثناء الكِتاب، ولا ريب أنَّ لهذه الرِّحلة مقامًا جليلًا في جريدة مؤلَّفاته، متى عرفْنا أنَّ التُّحفة الإيقاظيَّة في الرِّحلة الحجازيَّة كانتْ أولى مؤلَّفات أديبٍ وصحفيٍّ وفقيهٍ قانونيٍّ معدود مِنْ «مُقَدَّمي الكُتَّاب»، كما قال الزِّرِكْليّ.

ويستجلب النَّظر أنَّ سليمان فيضي حِين أَمَّ البيت الحرام، حاجًّا، كان في السَّادسة والعشرين مِنْ عمره، وأنَّه أنشأ لهذه الغاية يضع كِتابًا بتمامه عنْ هذه الرِّحلة، فحقَّق له الحجّ أداء رُكْن مِنْ أركان الإسلام، وأتاح له أن يتعرَّف جانبًا مِنْ أحوال العالَم الإسلاميّ، مِمَّا تبلغه سفينته المبحرة في مياه الخليج، حتَّى تبلغ بحر العرب، ثُمَّ تمخر عُباب البحر الأحمر، إلى أن يؤذن ببلوغها ساحل جدَّة، وانطوتْ رحلته تلك على جملة واسعة مِنَ الأخبار عنْ عرب الخليج، لا سيَّما المحمَّرة، والبريم، وعبَّادان، والفاو، وبوشهر، ولنجهْ، قبل أن يجتاز بسواحل اليمن، وجلتْ لنا تلك الصَّفحات طَرَفًا مِنْ أحوال عرب تلك النَّواحي، نعتدُّها، اليومَ، مِنْ أسنى الفوائد.

ولا ريب أنَّ هذه الرِّحلة تباين ما استقرَّ في ذاكرتنا مِنَ الرِّحلات الحجازيَّة، أوَّلًا لأنَّنا لمْ نألفْ، مِنْ قَبْلُ، رحلة حجازيَّة لعراقيّ، وثانيًا أنَّ صاحب هذه الرِّحلة معدود مِنْ رجال الصِّحافة، وأخيرًا ذلك الإلحاح على معنى «التَّعارف» في الحجّ، وكأنَّما كان سليمان فيضي أنشأ يبحث، في أعقاب إعلان الدُّستور العثمانيّ، عنْ معنى جديد للأُمَّة، فلمَّا أمعن النَّظر حواليه ألفاه ماثلًا في «الحجّ»، ولا شكَّ أنَّه لولا الحجّ ما عرف العالَم الإسلاميّ تلك المسالك، والدُّرُوب، والمنازل، والدِّيار، فلمْ تكنْ قافلة الحجّ لِتُعْرِض عمَّا حولها، إنَّما كانتْ تنشئ مُدُنًا، وتبث العمران، في كلّ ناحية تسلكها في الطَّريق إلى البيت الحرام، وامتلأ وجدان المحامي والصَّحفيّ الشَّاب سليمان فيضي شعورًا، وكان «التَّعارُف» سبيله إلى «الأُمَّة» الَّتي يرجوها:

«وعلى ما انطبعتْ عليه نفوسهم وأَلِفَتْه قلوبهم جاءت الشَّريعة الإسلاميَّة الغرَّاء والمِلَّة الحنيفيَّة البيضاء بفريضة حجّ بيت الله الحرام وزيارة الصَّفا والمقام والمشاعر العظام على كلّ مَن استطاع إليه سبيلًا مِنَ الأنام، فأنتج لهم هذا الغرض اكتشاف الأقطار والأمصار والتقاء البعض بالبعض في موسم الحجيج العامّ، حيث يتعارف المسلم بأخيه وتجتمع الأفئدة في دائرة واحدة، رغمًا على بُعْد ديارهم وتبايُن أقطارهم، وليس بخافٍ على المستبصرين ما كان يتبع هذا مِن استحكام قوَّة روابط الأُمَّة وعُلُوّ شأنها وجلْب دواعي الأُلفة لارتفاع مكانها، وما زال الأمر كذلك إلى أنْ تَقَلَّصَ ظِلُّ العِلْم مِنَ الشَّرق وعَمَّتِ الجهالة جميع البلاد الإسلاميَّة، وتَقَدَّمَ أهل الغرب بفضل ما أخذوه عن المسلمين، فأصبح السَّفر والاكتشاف واختراق الكُرَة الجويَّة والسَّير في الأرض مختصًّا بالأُمَّة العربيَّة».

إذنْ، لمْ تكنْ التُّحفة الإيقاظيَّة في الرِّحلة الحجازيَّة إلَّا محاولة شابٍّ عراقيّ امتهن المحاماة والتَّعليم والصِّحافة لـ»إيقاظ» الأُمَّة، وكانتْ تحفته هذه، في وجهٍ مِنْ وجوهها، بمنزلة السُّؤال الَّذي بسط فيه إصلاحيّ آخر هو الأمير شكيب أرسلان، لَمَّا نظر في أحوال الأمَّة الإسلاميَّة وأحوال الغرب المتقدِّم، فكان سؤاله الكبير لماذا تأخَّر المسلمون وتَقَدَّمَ غيرهم؟ رأى سليمان فيضي تلك الهُوَّة السَّاحقة بين المسلمين والغرب، فأدرك أنْ لا حَلَّ ناجعًا لإيقاظ الأُمَّة إلَّا بمدِّ عُرا التَّعارُف بين أفرادها ودولها، وإلَّا في العِلْم والسَّير في مجاهل الأرض مستكشفين ومتعلِّمين، وأنَّه لن يتمَّ ذلك إلَّا بـ»إحياء الرَّابطة الدِّينيَّة وتمكين أسباب الاتِّفاق بين علماء ووُعَّاظ كلِّ قُطْر مِنَ الأقطار الإسلاميَّة باتِّخاذ كلِّ فريقٍ مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها عند حدوث ما يُلِمُّ بالمؤمنين ويجتمعون فيها على ما يرفع شأن المسلمين، ليعيدوا لهذا الدِّين مجده السَّابق وعِزَّه الماضي وسطوته الباهرة وغلبته القاهرة، ولا يخفى ما في ذلك مِنَ الفوائد الدِّينيَّة فضلًا عمَّا يتشعَّب مِنْ هذا العمل الجليل مِنَ المنافع لنشر العلوم وتثقيف العقول وربط القلوب والتَّعاون على البِرِّ والتقوى ونظر كلِّ فريقٍ في أحوال الفريق الآخَر مِنْ إخوانه في الدِّين، وهذا العمل لا يكلِّف العلماء إلَّا نهضة خالصة لوجه الله الكريم ولا يضرُّ ذوي اليسار سوى المساعدة بإنفاق جزءٍ مِنْ أموالهم في سبيل الله حُبًّا لنُصْرة دينه الحنيف القويم».

كان سليمان فيضي لا يشغله في رحلته تلك إلَّا «إيقاظ» الأُمَّة مِنْ غفوتها، وعرفْنا أنَّ لا سبيل إلى ذلك إلَّا بإحياء روح «الأُمَّة»، ورأيناه يعتدُّ الحجّ «مؤتمرًا إسلاميًّا» يوطِّئ لنهضتها ويقظتها، وعلى أنَّ التُّحفة الإيقاظيَّة أتحفتْنا بطرائف تستهوي قُرَّاء الرِّحلات، وفيها قَدْرٌ وافرٌ مِنْ ذلك = فإنَّ عين القارئ لا تُخْطِئ عناية الرَّجُل بما يُحَقِّق ذلك «الإيقاظ»، ورأْس ذلك التَّعليم، أوْ ما يدعوه «المعارف»، فهو إنْ بلغ مكَّة المكرَّمة يختصُّها بفضل بيان عن التَّعليم والمدارس والعلوم فيها، ويفعل ذلك حين يبلغ المدينة المنوَّرة، ولن يستعصي علينا فهم ذلك، أوْ أنَّنا نعُدُّه مِنْ مكمِّلات رحلته، ذلك أنَّه قدْ سبق في سِيرة الرَّجل إنشاؤه، عقب إعلان الدُّستور، مدرسة وطنيَّة بمدينة البصرة، اتَّخذ عبارة «تذكار الحُرِّيَّة» اسْمًا لها، تُدَرَّس فيها العربيَّة والفارسيَّة والتُّركيَّة والفرنسيَّة والإنـﮕليزيَّة وسائرة العلوم الدِّينيَّة والفنون العصريَّة، فكان الإلماح إلى أمر التَّعليم في المدينتين المقدَّستين ملائمًا لطبيعته ونهجه، ولا شكَّ أنَّ مؤرِّخ التَّعليم في الحجاز سيفوته خير كثير إنْ لمْ يقف على كلامه عنْ معاهد التَّعليم في جدَّة ومكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، وخاصَّةً ما اتَّصل بالمدرسة الرُّشديَّة في جدَّة، والفلاح، فيها، والصُّولتيَّة والخيريَّة في مكَّة المكرَّمة، ونظهر في هذه الرِّحلة على أسماء جِلَّة مِنْ علماء الحجاز، لذلك العهد.

دلَّتِ التُّحفة الإيقاظيَّة في الرِّحلة الحجازيَّة على تفكير شابٍّ عراقيٍّ غادر بلاده إلى الحجاز، إجابةً لأذان إبراهيم – عليه السَّلام – وهَبَّ يبحث عن «الجامعة الإسلاميَّة» في تلك المشاعر، على أنَّ في الرِّحلة، مِمَّا يُهِمُّ الباحث في التَّاريخ الثَّقافيّ والاجتماعيّ في الحجاز الحديث ما يجلو له غير ناحية مِنْ تلك النَّواحي: الحَجْر الصِّحِّيّ في ساحل جدَّة، بيوت جدَّة وشوارعها وقهواتها، ورجالاتها، وستُظْفِره بما يماثل ذلك، بلْ ويزيد عليه، في مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة: المحمل، والحجّ، وفي الكِتاب إحصاء للبيوت والأسواق، وكلام مبسوط عنْ أمن الحجيج، والطُّرُق والمسالك، والعُرْبان، وبخاصَّةٍ حين سلك الطَّريف المخيف ما بين ينبع البحر والمدينة المنوَّرة.

كلُّ ذلك وسِواه كثير، يبوِّئ التُّحفة الإيقاظيَّة في الرِّحلة الحجازيَّة، ويبوِّئ صاحبها سليمان فيضي مكانةً جليلةً في هذا الضَّرْب مِنَ الرِّحلات، ويجعل لها، كذلك، موقعًا ممتازًا في التأريخ للحجاز الحديث.