سبعة أعوام مضت على رحيله جسدا، فالموت الذي كان له بالمرصاد إثر فترة المرض القصيرة جدا، لم يمكنه من الحديث عن أشياء كثيرة كان قد وعدنا بها وكنا نتمنى ونتوقع سماعها.

ولأنه رحل بسرعة وبشكل مفاجئ دون أن يحدثنا عن الغد الذي بشّر به ولكيلا نشعر بمقدار الخسارة التي منينا بها، فقد عكفنا على قراءة مؤلفاته من جديد وتغنينا بأشعاره، ومع انتشار قنوات وسائل التواصل الاجتماعي فإن جيلا جديدا تعرف على تجربة الراحل الكبير وأعجب بها، فهو الذي كان قريبا من همومهم، ولطالما تحدث في العديد من المحافل عن ضرورة الاهتمام بهم ومنحهم الفرصة للعمل والإبداع.

قام هؤلاء الشباب بقراءة أعماله وأفعاله وكأنهم عرفوه أكثر مما عرفناه، فغردوا بأبهى عباراته وتغنوا بأشجى قصائده، لتنتقل من معرف لآخر فعلوا ذلك بكثير من الحب، وظفوا وسائل العصر، وظل الغائب الكبير حاضرا بيننا.

ومثلما انشغل غازي القصيبي في حياته في قضايـا عصره وخاض الكثير من الصراعات في الداخل والخارج، فقد أدركنا الآن وبعد فوات الأوان أهميـة ما كان يحذرنا منه، لقد أدرك ومنذ وقـت مبكـر أن العـرب أمة تعيش على ماضيها التليد، وتستقي إلهامها من التاريخ ولا تتعلم من حاضرها.

وهذا من أهم أسباب تخلفها عن الركب، كما أن الصراعات بين التيارات الفكرية أفقدتها القدرة على التركيز على البناء وتنمية العقول. لقد كرر هذا الأمر في قصائده ومقالاته.

لو تأملنا مصير العديد من الراحلين الذين شغلوا الناس بحضورهم، إذ ما يكاد الموت يغيبهم، وبعد مراسم العزاء التي تتشابه، وما إن يمر وقت قصير، حتى يطويهم النسيان، صحيح أن بعضا من أعمالهم سيبقى في النهاية إلا أن الكثير مما قاموا به ستقل أهميته ثم يطويهم النسيان. إن ما حدث لغازي القصيبي يختلف عن هؤلاء فهو أحد المبدعين القلائل الذين كانوا أبطالا في حياتهم، ثم بقوا كذلك بعد رحيلهم، وتعلمنا من التاريخ أنهم يتحولون إلى أساطير بعد عدة أجيال.

الآن ونحن نتذكره بعد مرور هذه السنوات، يصعب أن نجد شاعرا وأديبا وديبلوماسيا انخرط في قضايا وطنه العربي الكبير كغازي القصيبي، إذ بالإضافة لكونه شاعرا لا يقارن بأي من معاصريه فقد كان ممثلا لشعبنا العربي، ولو لبعض الوقت حين كان يشغل منصب سفير المملكة العربية السعودية في بريطانيا، حيث تأثر مثلنا تماما في زمن انتفاضة الأقصى الثانية بأحداث العنف والقسوة للجيش الإسرائيلي بالتعامل مع المتظاهرين العزل، لا ينسى ذلك الجيل في الوطن العربي قصيدته الشهيرة (الشهداء) في عام 2002، والتي مجد العمل الذي قامت به الشابة آيات الأخرس في عمليتها الاستشهادية بالقدس الغربية، في الوقت الذي أفتى فيه بعض علماء المسلمين بحرمة العمليات الاستشهادية آنذاك. وهو الذي خاض صراعا امتد لأعوام مع رموز تيار الصحوة بالمملكة، فعل ذلك بكثير من الشجاعة وبنبل وبخصال الفرسان، شهد له بذلك خصومه الذين لم يترددوا في رثائه بأجمل وأصدق العبارات بعد وفاته.

قد يكون من الضروري الآن وبعد مرور هذه السنوات عمل دراسة شاملة لمسيرة هذا المبدع من أجل محاولة فهمها وتدبر الظروف التي ساعدت على تكونها واستخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة القيمة، وإذا كانت مشيئة الله قد غيبته عن أنظار أهله ومحبيه، فإن ما تركه لنا من كنز هائل في إطار الفكر والأدب والإدارة، سيبقى ماثلا أمامنا طويلا، وسننقله للأجيال اللاحقة كي نعزز به الذاكرة، ونجعل منه أساسا لانتقال المعرفة وليكون نهجا لأبطال ننتظر ولادتهم.

@temyatt