طالعتنا الصحف والأخبار طوال السنين الماضية بحكايات إنجازات المبتعثين في الجامعات الغربية. على الرغم من أن هناك العديد من الإنجازات العظيمة التي نفخر بها إلا أن المتعمق في هذه الأخبار سريعا ما يكتشف أن كثيرا من هذه الأخبار في الحقيقة ليست سوى إنجازات مزيفة، حيث لا أساس لها ولا تستحق الاحتفاء بها أساسا. وهذا الاحتفاء بالإنجازات الوهمية له آثار كارثية تتمثل في رسم صورة وردية مخالفة للواقع تماما و- الأهم - أنها تحجب الاهتمام المستحق بالإنجازات الحقيقية للطلبة المبتعثين.

في البداية الأمر ليس حكرا على تغطية أخبار المبتعثين وتركيزي على أخبار المبتعثين هنا لا يعني أن أخبار الإنجازات الوهمية حكرا عليهم. فقد تقرأ في عناوين الأخبار عن مبتعث قد «اكتشف علاجا للسرطان» وحين التحقق تكتشف أنه باحث متعاون ضمن العشرات في مشروع كبير، وأنه في الحقيقة لم يكتشف أحد علاجا على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد. وفي خبر آخر تجد أن «مبتعثا يبهر مناقشيه في مناقشة الدكتوراه» لتكتشف في ثنايا الخبر أنه في الحقيقة قد أدى المناقشة واجتازها لا أقل ولا أكثر. أضف إلى ذلك العديد من الأخبار التي تحكي عن «اختيار» مبتعث سعودي ضمن لجنة استثنائية لتكتشف في نهاية الأمر أن الأمر يتم بتقديم طلب ودفع رسوم للانضمام لمثل هذه المناسبات. الأمر ذاته ينطبق على الكثير من المعارض العلمية وميداليات التميز التي سرعان ما تكتشف أن إنجازاتنا فيها ليست سوى أرقام وهمية. النماذج الإخبارية قد تطول ولكن بحثا في قوقل عن اكتشافات المبتعثين سيرد لك عشرات النتائج التي يختلط فيها الغث بالسمين.

فكيف نقيم إنجازات المبتعثين إذن؟ الوسيلة الأولى هي عبر كمية النشر العلمي في مجلات دورية محكمة، خصوصا إن كان المبتعث هو الاسم الأول في المشروع. هذا المعيار يقيم بدقة كبيرة من ينجز فعلا ومن الذي يسعى وراء الأضواء الإعلامية. وهذا الحديث سيجرنا إلى منطقة محظورة حيث إن عددا كبيرا من الشخصيات «العلمية» المحتفى بها محليا في الحقيقة لا تملك أي رصيد معتبر من الإنجازات البحثية الأصلية، وإضافة إلى ذلك فهي لا تملك من الإنجازات العلمية سوى عضويات في مؤسسات علمية مختلفة - والتي تنال بدفع رسوم سنوية - إلى جانب التغطيات الإعلامية العديدة والمثيرة للشك.

الوسيلة الأخرى - وربما الأقل أهمية في بعض المجالات - هي مقدار مساهمة المبتعث في المؤتمرات العلمية في تخصصه خصوصا إن كان مساهما فيها إما ببحث أو ملصق بحثي أو ما شابه. فالمساهمة في هذه المؤتمرات وعرض جديد الأبحاث دلالة حية على أن إسهام المبتعث (العلمي) والذي حظي بموافقة أقرانه وربما حاز على إعجابهم. الحديث عن «المبتعث الفلتة» الذي اكتشف علاجا للسرطان دون أن ترى له بحثا منشورا أو ملصقا علميا أو مساهمة في المؤتمرات ذات العلاقة هو حديث بلا قيمة. والأسوأ من ذلك أن كثيرا من المبتعثين المنجزين حقا وحقيقة عبر الأبحاث والمساهمات تجدهم دائما مغمورين بدون تغطية إعلامية واسعة.

هذه النماذج من الاحتفاء المزيف لا تعكس الخبرة المتواضعة مع الأخبار العلمية فحسب، بل تنبئ عن حاجة ماسة لتأسيس صحافة علمية رصينة داخل كل مؤسسة صحفية حتى تعطى أخبار العلوم حقها من التغطية. والحديث عن الصحافة العلمية هنا ذو شجون ولكن أشير إلى ملاحظة سريعة، هي أنه نادرا ما تخلو كبريات الصحف العالمية من «المحرر العلمي»، والذي يأتي عادة من خلفية أكاديمية علمية ليحرر الأخبار ذات العلاقة بالعلوم. ربما سيساعدنا هذا أكثر على تمييز الغث من السمين.

كيف نقيم إنجازات المبتعثين إعلاميا
أولا:
الأوراق البحثية المنشورة في مجلات علمية محكمة ومعتمدة.

ثانيا:
المساهمة في المؤتمرات العلمية لعرض الأبحاث الجديدة.