هناك فرق هائل بين المعرفة السطحية المبنية على قراءة صفحات ويكيبيديا والكتب العامة، والمعرفة المتعمقة المبنية على خبرة وتمرس لا يكل ولا يمل. هذا الفرق الهائل قد لا يكون واضحا في بداية الأمر ولكنه من أهم ما يصنع الخبير والمتمكن في مجاله. في كتابه ذائع الصيت «المتميزون» يتحدث مالكوم جلادول عن قانون العشرة آلاف ساعة والذي ينص على أن المرء - في المتوسط - بحاجة إلى عشرة آلاف ساعة من التدريب المتواصل ليصبح فذا في مجاله وتخصصه أيا كان. بالمقابل، معظمنا يشعر بأنه خبير ومطلع بسبب أنه قرأ كتابا أو ربما جرب شيئا مرة أو مرتين. هذا الإحساس بالخبرة أو المعرفة السطحية خادع وماكر لأنه يجعلنا نشعر بأننا امتلكنا الإجابات الجاهزة وأصبحنا قادرين على الحديث بصفتنا مطلعين!

بحر المعرفة واسع لكن المعرفة بدون التجربة والممارسة لا قيمة لها. قراءة عشرات الآلاف من الكتب في حقل ما لا تجعلك سوى قارئا نهما قد لا يكون له حاجة ماسة في عصر قوقل. أما الخبرة العملية فتتضمن ساعات طويلة من الاحتكاك بالآخرين والتعلم منهم و- الأهم- خوض التحديات باستمرار لأن هذا الرصيد من الخبرات هو الذي يجعل الخبير يرى الأمور بمنظار أوسع وأعمق دوما. تماما كالفرق بين من يستعد لسباق الأولمبياد بقراءة كتب السباحة جميعا وبين من قضى عقدا من حياته في التدريب المستمر تحت يد معلم متمكن وبين أقران يشاركونه ذات الاهتمام.

هذا الجانب “الممل” من حياة الناجحين قليلا ما نسمعه في قصص النجاح المشهورة، حيث تركز هذه القصص دوما بشكل علني أو ضمني على الذكاء الطبيعي أو المواهب الفطرية وما إلى ذلك من أمور لا يملك المرء حيالها أن يفعل أي شيء. ولهذا السبب فهذه القصص غالبا ما تكون مضللة وناقصة، هذا إذا كان النجاح مستحقا بالفعل، فقصص النجاح الحقيقية لا بد وأن تتضمن إصرارا حازما وإرادة قوية إلى جانب التعلم المستمر.

أذكر في هذا السياق ما لمحت له في مقال سابق عن الفرق بين عقلية النمو وعقلية “الثبات” والتي تحدثت عنها عالمة النفس الأمريكية كارول دويك بناء على أبحاثها على مدى عشرين عاما في مجال علم النفس النمو. عقلية الثبات ترى النجاح في أي مجال مرتبطا بالموهبة والذكاء وأن هذه الصفات الشخصية الثابتة كفيلة بالنجاح في أي مجال، وبالتالي لا قيمة كبيرة للتجربة والمحاولة. في المقابل، عقلية النمو ترى النجاح في شتى مناحي الحياة مرتبطا بمدى الاستثمار سواء كان وقتا أو جهدا في التدريب والتعلم. الذكاء مثلا - حسب هذا المفهوم - ليس صفة شخصية ثابتة، بل صفة تنمو بمقدار استثمار الشخص في تنمية ذكائه عبر خوض التحديات والتعلم من الأخطاء. الأهم أن التعلم المستمر عملية أساسية ومحورية في عقلية النمو، وهذا ما يجعلها مفتوحة دوما على الفرص والاحتمالات المختلفة.

هذه الفلسفة لها تبعات كبيرة على الطريقة التي يجب أن نقيم فيها دور الموهبة سواء كانت في سياق ذاتي أو في سياق تربوي. فالابتكار والإبداع لا يولدان إلا من رحم تجربة حية ورصيد ضخم من التحديات والفشل المتكرر. فالموهبة تُنمى وتُقوّى ولا تولد فحسب. حيث أكدت أبحاث عديدة ومتراكمة أنه يلزمك - في المتوسط- عشرة أعوام تقريبا من الممارسة المكثفة لتصبح خبيرا في مجالات متعددة من فن الطبخ والرسم إلى العزف الموسيقي بغض النظر عن الذكاء والبيئة. لخص أحمد شوقي هذا المعنى قبل زمن طويل حين قال: وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.

كم ساعة يجب أن تتدرب لتصبح خبيرا؟
1 فن الطبخ : 13.440
2 جراحة الدماغ 42.240
3 اليوجا : 700
4 الاقتصاد 26.880
5 البرمجة : 15.360

alhazmi.f@makkahnp.com