ادعاء العلم والثقافة اليوم أسهل من أي وقت مضى، خصوصا مع الانتشار الواسع للشبكات الاجتماعية.
نشعر اليوم بضغط اجتماعي يدفعنا لمعرفة ما يكفي عن كل شيء من حولنا من أحداث سياسية إلى مستجدات تقنية؛ حتى لا نظهر أمام الآخرين بمظهر الجاهل الذي لا يحيط بالجديد. أو ربما حتى نبدو بمظهر العارف بمستجدات الأمور في اللقاءات العابرة مع الأصدقاء، أو في الاجتماعات، أو حتى في الشبكات الاجتماعية التي كثيرا ما تتناسب فيها جماهيرية الشخص مع مقدار نجاحه في الاستعراض. يبدو لي أن ما يهم حقا ليس استهلاك المنتجات ذاتها (كقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام وما إلى ذلك) بقدر ما يهم الحديث عنها مع الآخرين وإبهارهم بمعرفتنا الواسعة (السطحية في الحقيقة) عنها وتحويلها إلى سهم مربح في رأس المال الاجتماعي.

هذه باختصار «ثقافة العناوين» أو ثقافة الادعاء القائمة على معرفة خيط من كل شيء، والتي عزز من حضورها انتشار الشبكات الاجتماعية. يقرأ الواحد منهم مقالا من هنا ورأيا من هناك ليعود ويبث لمتابعيه وعشاقه آراءه الهامة حول قضايا السياسة والأعمال والمستجدات التقنية. خلال الأسابيع الماضية مثلا ستجد عشرات المغردين الذين يحاولون تفسير نتائج الانتخابات الأمريكية أو مستجدات الاقتصاد المحلي - أو ما إلى ذلك من مواضيع تتطلب قدرا كبيرا من التخصص والتفرغ - ولكن الغالبية العظمى من هذه التحليلات ليست سوى «ثقافة عناوين» لا تكاد تتجاوز قيمة التحليلات الرياضية قبل المباراة.

مثقفو العناوين يعشقون التعليقات والجدالات لأن هذا يتيح لهم مزيدا من التظاهر والادعاء و»إثبات أنفسهم» وتأكيد معرفتهم الواسعة أمام الآخرين. في أبريل الماضي قامت شبكة إن بي آر الإعلامية بنشر مقال بعنوان «لماذا لا يقرأ الأمريكيون مؤخرا؟» وقد حصل هذا المقال على انتشار واسع في الفيس بوك حيث شاركه عدد كبير من قراء الشبكة لأصدقائهم طالبين منهم قراءة المقال، وحفلت مشاركاتهم بردود كثيرة. المشكلة أن المقالة نفسها مقلب (كذبة أبريل) حيث لا تقرأ في المقالة سوى النص التالي: «بعض الأحيان لدينا إحساس أن بعض الناس يعلقون بدون أن يقرؤوا المقالات. إذا كنت تقرأ هذا المحتوى، فالرجاء الاكتفاء بالإعجاب بدون التعليق حتى نرى ماذا يمكن أن يعلق الآخرون حول المقالة».

من وجهة نظري، السبب في شيوع «مثقف العناوين» في كل مكان هو حاجة نفسية للتميز والانفراد، وحتى يتمكن المرء من التميز والانفراد يجب أن يكون لديه رأس مال اجتماعي فريد يؤهله لتجاذب أطراف الحديث مع أي شخص في أي مكان. رأس المال الاجتماعي بالنسبة لمثقف العناوين هو الفتات الذي يجمعه من تويتر وفيس بوك والأخبار العاجلة والفيديوهات الترفيهية والتحليلات السياسية في الشاشات الإخبارية. إحدى الدراسات الأمريكية عن استهلاك الأخبار وجدت أن حوالي 60% من الأمريكيين يكتفون بقراءة عناوين الأخبار.

في المستقبل سنشهد تزايدا مستمرا لهذا الأمر، وقد نجد أنفسنا في هذا الموضع حيث سنضطر لقراءة العناوين والمضي قدما لأن الوقت لا يكفي. خذ على سبيل المثال ما نشر في تقرير شركة «اركسون» مؤخرا عن استهلاك البيانات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تنبأ التقرير بتضاعف متوسط استهلاك البيانات نحو 7 مرات في 2022. كمية الوقت المهولة التي نقضيها (وسنقضيها) في هواتفنا الذكية سواء بالمراسلات أو متابعة جديد وسائل التواصل ستؤثر على تركيزنا وتفكيرنا، وتجعلنا أقرب للتسليم بصحة المعلومات على الانترنت سواء كانت تحليلات أو آراء أو حتى أخبار مفبركة. أذهاننا سوف تنشغل إلى درجة لا نجد فيها وقتا للتحقق من أي شيء فأي غثاء معلوماتي ينتظرنا؟.