قللت جفانك... رواية مخترعة
زعم الرواة أن الخنساء وقفت في سوق عكاظ فأنشدت النابغة قصيدتها التي رثت بها أخاها صخرا فأعجبه شعرها وقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لفضلتك على
زعم الرواة أن الخنساء وقفت في سوق عكاظ فأنشدت النابغة قصيدتها التي رثت بها أخاها صخرا فأعجبه شعرها وقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لفضلتك على
الجمعة - 30 يناير 2015
Fri - 30 Jan 2015
زعم الرواة أن الخنساء وقفت في سوق عكاظ فأنشدت النابغة قصيدتها التي رثت بها أخاها صخرا فأعجبه شعرها وقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم. وكان ممن عرض شعره حسان بن ثابت فغضب وقال: أنا أشعر منك ومنها.. ويزعمون أن النابغة قال للخنساء: ردي عليه. فقالت: ما أجود بيت في قصيدتك التي عرضتها آنفا؟ فقال: قولي فيها:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقالت: قللت جفانك وسيوفك.. فانقطع حسان! ويزعمون أيضا أنها انتقدت بيته:
ولدنا بني العنقاء وابنيْ محرق
فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
وقالت عنه إنك فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
ونحن نقول: هذا النقد فيه تعنت وتكلف لا تصح نسبته إلى الجاهلية الخالية الذهن من التعقيد اللغوي والتي تنافي التصنع والتكلف فطرتها الطبيعية، أضف إلى ذلك أن النقد بذاته غير صائب، فباب المجاز واسع في اللغة، ولولاه لضاقت العربية على أبنائها كما أن جموع القلة تستعمل كثيرا للكثرة.. وقد ورد ذلك في القرآن، قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} سورة الشورى آية 22 وقال تعالى: {وهم في الغرفات آمنون} سبأ آية 37.
ومن حيث التاريخ فيتبين لنا جليا اختراع هذه الرواية وعدم صحتها لأن رثاء الخنساء لأخيها الذي قتل يوم الكلاب سنة 615م مع العلم أن النابغة مات 602م فكيف تسنى للخنساء أن ترثي صخرا وتقف بقصيدتها الرائية في سوق عكاظ وتنشدها أمام النابغة الذي مات قبل أخيها بنحو إحدى عشرة سنة على أقل تقدير؟
أما قولها: فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فقد سبق البيت فخره بمن ولده حتى من افتخر بأنهم ولد له في قوله:
لنا حاضر فعم وباد كأنه
شماريخ رضوى عزة وتكرما
متى ما تزنّا من معَدٍّ بعصبة
وغسان نمنع حوضنا أن يُهدّما
إذن فالرواية كما ترى باطلة من أساسها، وربما كانت أثرا باقيا من الحزازات بين الأنصار وبني أمية أريد به الطعن في شاعرية حسان!.. انظر (كتاب أدباء العرب) لبطرس البستاني ص:234.
أما بخصوص قصة الجبن التي روجها مبغضوه، فالرد عليها هو: أن حسان من شعراء النقائض في حروب الأوس والخزرج وهو من يرد على قيس بن الخطيم شاعر الأوس من صناديد العرب وفرسانها المعدودين ولقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخزرج في مجلس ليس فيه غيرهم عن بيته:
أجالدهم يوم الحديقة حاسرا
كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
أكذلك كان؟ فقالوا: والذي بعثك بالحق لقد قابَلَنا صبيحة عرسه في ثياب العرس فجالدنا كما قال. وهذا حسان يرد عليه بنقيضة يقول له فيها:
فلا تعجلن يا قيس واربع فإنما
قصاراك أن تُلقى بكل مهند
سيوف وأرماح بأيدي أعزة
متى ترهم يا بن الخطيم تبلّد
فناغِ لدى الأبيات حورا نواعما
وكحّلْ مآقيك الحِسان بإثمد
فهل هذا رد جبان على بطل من أبطال العرب المشهورين، وابن الخطيم هو الذي تتبع قاتل أبيه وقاتل جده حتى قتلهما وأخذ بثأره منهما..
أما قصته مع صفية واليهودي يوم قريظة: فقد كان حسان شيخا كبيرا هرما ضعيف البصر عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام ولو خرج لليهودي وهو على هذه الحال لقتله. ولذلك قال لصفية: تعلمين يا ابنة عبدالمطلب أنني لا أصلح لهذا أي للقتال. ثم إننا رغم تتبعنا لمهاجاته لكثير من شعراء عصره لم نجد أحدا منهم عيره بالجبن وهو أبلغ سبة يمكن أن يُعيَّرَ بها عربي في ذلك العصر.. والمقولة لا شك في أنها إفك افتراه قوم كارهون وحاقدون.. رضي الله عن حسان وأجزل له المثوبة في دفاعه عن الإسلام ورسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم:
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمدٍ منكم وِقاَءُ
وقد كان حسان كما قال في رده على ابن الخطيم:
لساني وسيفي صارمان كلاهما
ويبلغ ما لا يبلغ السيف مزودي.