العدالة الاجتماعية جوهر الخلافة الراشدة

الحديث عن الانقسامات والتحزبات التي تشهدها المجتمعات الإسلامية منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة لن يقف عند مرحلة زمنية معينة يمكن أن نصفها بالمرحلة العاصفة أو مرحلة التغيرات الكبرى، فما يحدث منذ وفاة آخر الخلفاء الراشدين هو سيناريو متكرر، رغم اختلاف الزمان والمكان والمعطيات المحيطة بكل حدث، يلقي بظلاله سواء على المجتمعات التي تشتد فيها وطأة الصراع الطائفي والمذهبي، أو حتى تلك التي تعيش توافقا طائفيا ومذهبيا صوريا!

الحديث عن الانقسامات والتحزبات التي تشهدها المجتمعات الإسلامية منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة لن يقف عند مرحلة زمنية معينة يمكن أن نصفها بالمرحلة العاصفة أو مرحلة التغيرات الكبرى، فما يحدث منذ وفاة آخر الخلفاء الراشدين هو سيناريو متكرر، رغم اختلاف الزمان والمكان والمعطيات المحيطة بكل حدث، يلقي بظلاله سواء على المجتمعات التي تشتد فيها وطأة الصراع الطائفي والمذهبي، أو حتى تلك التي تعيش توافقا طائفيا ومذهبيا صوريا!

الاثنين - 05 مايو 2014

Mon - 05 May 2014



الحديث عن الانقسامات والتحزبات التي تشهدها المجتمعات الإسلامية منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة لن يقف عند مرحلة زمنية معينة يمكن أن نصفها بالمرحلة العاصفة أو مرحلة التغيرات الكبرى، فما يحدث منذ وفاة آخر الخلفاء الراشدين هو سيناريو متكرر، رغم اختلاف الزمان والمكان والمعطيات المحيطة بكل حدث، يلقي بظلاله سواء على المجتمعات التي تشتد فيها وطأة الصراع الطائفي والمذهبي، أو حتى تلك التي تعيش توافقا طائفيا ومذهبيا صوريا!

لم أجد على امتداد خريطة العالم الإسلامي المعاصر أي إجماع على رؤية إسلامية معتدلة يمكن أن نستمد منها في الأزمات والملمات جوهر الدين الإسلامي الذي أسسه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وحمل لواءه من بعده الخلفاء الراشدون، كنظام رباني يوازن بين كل متطلبات الحياة المؤثرة في المعترك اليومي للبشرية جمعاء، وهو ما عجزت عن تحقيقه كل النظم البشرية التي دأبت على السقوط والنهوض، لأنها اعتمدت على المبادئ المادية في تعاطيها مع ظروف الكائن البشري المنحور من الوريد إلى الوريد بسبب طبيعة تلك القوانين التي تحتم وجود ضحايا لكل هزة تصيب أنظمتها الهشة! فليس من المستغرب أن يتحول الشاب المسلم المعاصر لضحية تختار لها الجماعات المتطرفة الوقت والمكان الملائم لذبحها تقربا إلى الله وطلبا لملذات الآخرة، لأن جوهر الإسلام الحقيقي - المتمثل بالعدالة الاجتماعية - غيّب منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة عن كل مظاهر الحياة.. وأصبحت هبة لا ينالها المرء إلا بشفاعة الأتباع المقربين، لهذا اتبعت الحركات والتيارات الإسلاموية نهجاً تصادمياً جعل من العنف ركيزة أساسية في استرداد الحقوق المستلبة. بمعنى أن العنف تحول إلى ردة فعل متوقعة إزاء ما تعيشه المجتمعات من ظلم واستبداد، فهي تهدف إلى تغيير واقعها المتخم بالسخط والغضب، لأنه يفتقد لأهم مكونات التشريع الإلهي، ألا وهو العدالة الاجتماعية التي من خلالها يتحقق التوازن الطبيعي لكل طبقات المجتمع، ويجعلها تتقبل أوضاعها الاجتماعية بأريحية وقناعة تامة، لأن حلبة التنافس في هذه الحالة لا تخضع لمقاييس القوة والضعف. وأنا هنا لا أشير لحياة مثالية يستحيل تطبيقها على أرض الواقع، فأنا لم أقتبس هذه الرؤية من أدبيات المدينة الفاضلة، بل إنها جوهر وأساس الحياة المدنية المعاصرة في العالم الغربي، حتى وإن لم ترتق تلك الحياة لمفهوم العدالة المطلقة فهي تلبي احتياجات النفس البشرية المتطلعة دائما إلى حياة أفضل، على الرغم من قسوة أنظمتها الاقتصادية، إلا أنها على الأقل تهب مساحة كبيرة من المساواة والعدل، وهما أسمى ما أتت به الرسالة المحمدية.

إذاً مبدأ العدالة الاجتماعية ليس مبدأ طوباوياً نجتره بشيء من النوستالجيا من الماضي البعيد، بل هو مفهوم سائد في مجتمعات معاصرة كانت بالأمس القريب متناحرة ومتفككة لم تذق طعم الاستقرار إلا حينما سنت القوانين والعقوبات الرادعة لتضمن الحقوق والواجبات للجميع، بغض النظر عن العرق أو الدين أو أي اعتبارات أخرى تؤثر على مبدأ العدل والمساواة.

ومن هذا المنطلق دائما ما يتبادر إلى ذهني سؤال قديم جدا حول السبب الرئيس لوجود الصراعات والنزاعات التي تغذيها إيديولوجية الأحزاب والجماعات، وهو لماذا لا نجد في عالمنا الإسلامي المعاصر بيئة إسلامية عادلة بمقاييس العدل الذي أرسى قواعده الرسول الكريم ومن بعده خلفائه الراشدون؟ هذا السؤال ما زال يقلقني منذ بداية تكويني الفكري والمعرفي، ولم أستطع أن أجد له إجابة شافية رغم إيماني الشديد بأن الأمة الإسلامية تزخر بعلماء أجلاء نذروا أعمارهم لخدمة الدين على مدى كل العصور، إلا أنه إلى الآن ونحن ننساق خلف الأفكار المذهبية والحزبية البعيدة كل البعد عن سمو التعاليم الربانية! دون أن نجد نماذج إسلامية تعبر بصدق عن جوهر الدين الإسلامي من غير أن تنغمس في أوحال الإيديولوجيا المقيتة. ففي خضم هذا العصف الذهني الذي أدعي ممارسته الآن لجلب الصور المضيئة في تاريخنا الإسلامي من ذاكرتي المتعبة لعصور ما بعد الخلافة الراشدة، أجد أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز أحدث في تاريخنا الإسلامي مفارقة كبرى تركت آثارا عظيمة في وجدان الأمة الإسلامية بأسرها، فقد كانت فترة حكمه تدحض كل افتراءات الثقافة الجمعية المتراكمة عن استحالة استلهام عهد الخلافة الراشدة في واقعنا المعاصر، واعتبارها من المثاليات التي يستحيل تطبيقها في الوقت الراهن رضوخا للمعطيات السياسية والاقتصادية التي تحاصر العالم الإسلامي منذ عدة قرون. كان عمر يجرد نفسه من كل هوى وميل، ولا ينحاز إلا للعدل الذي أتت به الرسالة المحمدية حتى لو آلمه بكاء طفلته الصغيرة التي لم تجد ثوبا جديدا لترتديه في يوم عيد المسلمين، وهو أمير المسلمين، إلى آخر القصة المعروفة، ليترك لنا صورة من أبلغ صور الوفاء للقيم والتعاليم الإسلامية. والحديث عن عدل عمر بن عبد العزيز هو بمثابة رسالة احتجاج إلى أولئك الذين يضفون هالة القداسة والطهر- بتطويع اللغة بصورة ملائكية مخادعة - على عهد الخلافة الراشدة ويكرسونها في ذاكرة الأمة على أنها مرحلة لم تدنسها شوائب الأهواء الشيطانية، وكأن كل أفراد ذلك العصر ملائكة مرسلون!

أعظم خطأ يرتكبه هؤلاء بحق ديننا الحنيف هو تلك اللغة المقدسة المليئة بالطهر حينما يتحدثون عن عهد الخلافة الراشدة! وإلى هؤلاء أقول إن ابن سلول، وابن سبأ، وماعز بن مالك، وابن ملجم الخارجي، وأبو لؤلؤة المجوسي، وغيرهم ممن دون التاريخ أسماءهم - باختلاف ما ارتكبوه من جرم ومعصية - ما هم إلا شواهد على الوجه الآخر للطبيعة البشرية في تلك العصور الزاهية، لأنهم استسلموا لنوازع الشر ولم يربؤوا بأنفسهم عن الوقوع في براثن الإثم والخطيئة. إنني أشفق كثيرا على ذلك الشاب المسلم الذي لم يسعفه الحظ ليطَلع على مآثر الحضارة الإسلامية منذ انبلاج عصر النبوة، لأنه سيصبح صيدا سهلا لكل تيار مؤدلج يرفع شعار الحق والفضيلة، دون أن يدرك إلى أي المآلات ستفضي به تلك الإيديولوجيا.

إن من واجب علماء الأمة الإسلامية التحلي بالشجاعة الكافية للاعتراف بأن من أهم أسباب وجود كل هذه الصراعات الدموية في عالمنا المعاصر هو غياب العدالة الاجتماعية. وحسبي أن تذبذب حضور القيم الدينية العليا في أنظمتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هو بسبب محاولة صهرها مع القيم البشرية بصورة تجعلها تبدو ستاراً يخبئ قبح الأطماع البشرية في كل أزمنتنا التي تلت عهد الخلافة الراشدة.