الجاهليون الجدد وميراث البنات
تحت تهديد القطيعة، يجبرهن الأشقاء على التنازل عن حقوقهن في ميراث آبائهن، فيلتزمن الصمت ويتخلين عن زينة الحياة الدنيا مقابل الحفاظ على صلة الرحم، وإبقاء العلاقة الاجتماعية مستمرة حتى وإن كان في النفس ما فيها.. ذلك حال نساء تحدثن إلى «مكة» عن حرمانهن من الإرث، وكيف آثرن على أنفسهن رغم الحاجة في كثير من الأحيان، فتركن للإخوة المال والعقار والمزارع.
تحت تهديد القطيعة، يجبرهن الأشقاء على التنازل عن حقوقهن في ميراث آبائهن، فيلتزمن الصمت ويتخلين عن زينة الحياة الدنيا مقابل الحفاظ على صلة الرحم، وإبقاء العلاقة الاجتماعية مستمرة حتى وإن كان في النفس ما فيها.. ذلك حال نساء تحدثن إلى «مكة» عن حرمانهن من الإرث، وكيف آثرن على أنفسهن رغم الحاجة في كثير من الأحيان، فتركن للإخوة المال والعقار والمزارع.
الخميس - 24 أبريل 2014
Thu - 24 Apr 2014
تحت تهديد القطيعة، يجبرهن الأشقاء على التنازل عن حقوقهن في ميراث آبائهن، فيلتزمن الصمت ويتخلين عن زينة الحياة الدنيا مقابل الحفاظ على صلة الرحم، وإبقاء العلاقة الاجتماعية مستمرة حتى وإن كان في النفس ما فيها.. ذلك حال نساء تحدثن إلى «مكة» عن حرمانهن من الإرث، وكيف آثرن على أنفسهن رغم الحاجة في كثير من الأحيان، فتركن للإخوة المال والعقار والمزارع.
وفيما دعا مصدر قضائي من تعرضت لمثل هذه الأمور إلى الاتجاه إلى القضاء لإنصافها، وصف شرعيون الاستيلاء على نصيب المرأة من الميراث بالعادة الجاهلية.
بحجة غدر الأزواج وبذريعة العادات
الجاهلية تحرم النساء من الميراث
قامت الدنيا ولم تقعد على أم أنس، وأصبحت حياتها قاب قوسين أو أدنى، فإما الرضا بالظلم أو القطيعة، عندما طالبت أشقاءها بنصيبها من الميراث الذي تركه والدها، فالسيدة التي كانت تسمع قصص الحرمان والمنع في قريتها لم تكن تدري أنها ستكتوي بذات النار، وأنها ستهدد بالقطيعة في حال أصرت على المطالبة.
تقول أم أنس «سمعت بقصص لنساء من بنات قريتي طالبن بحقوقهن فتعرضن للظلم والتهديد، ولم أتوقع يوما أن أتعرض لذات الموقف، بل وصمني أشقائي بالعار واتهموني بأني «قليلة حياء»، وأقسموا إن لم أتنازل وأصرف النظر عن المطالبة بأنهم سيقاطعونني مدى الحياة، ما دفعني للسكوت، وهذا حال كثير من البنات اللاتي يفضلن عدم المطالبة خشية المشاكل وقطيعة الأرحام».
عديمة الخير
أم علي ليست بأحسن حال من أم أنس، فقد هددها أشقاؤها بالتبرؤ منها والتخلي عنها في حال أصرت على المطالبة، فما أن فتحت باب الحوار معهم، حتى بدأ إخوتها في تهديدها بأنهم سيقاطعونها ويتخلون عنها، واصفين المرأة التي تركض وراء المال والطامعة فيه بأنها لا خير فيها لأسرتها.
وتعترف أم سعيد بأن العيب والخوف من لوم الإخوة الذكور يمنعان المرأة في قريتها من المطالبة بالإرث، فالنساء لا يجرؤن على طلبه أو النقاش فيه، لأن العرف الدارج يصنف مطالبة النساء بالميراث على أنه عيب وتُجرّم من تقدم على ذلك، مضيفة أن العرف الاجتماعي والقبلي يمنع بنات جنسها من المطالبة بالأراضي والأشياء العينية، ويكتفى بإعطائهن مبالغ زهيدة تندرج تحت تصنيف «الرضوة» وجبر الخواطر.
صلة الرحم
وترجع أم سعيد الكثير من أسباب قطيعة الرحم والمشاكل بين عائلات عدة إلى الاختلاف حول نصيب حواء من الإرث، تقول «البعض يؤثرن على أنفسهن، خصوصا المتزوجات، فالمرأة بطبعها جبلت على الحنان، لذا تتنازل عن نصيبها لأشقائها لبناء مستقبلهم، مستدركة؛ حاولت نسوة المطالبة بنصيبهن، فحدثت مشاكل نظرتها المحاكم، وتسببت في قطع صلة الرحم، وكثيرا ما تهدد المرأة بالقطيعة وخسران الأهل والعزوة، لذا تُجبر على السكوت أو التنازل في حال توجهت للقضاء».
صمت وخضوع
وتتفق معها أم عبدالرحمن التي أرجعت سبب الحرمان إلى العيب، ما جعل النساء في معظم القرى والمناطق يلتزمن الصمت ويخضعن لمطالب أشقائهن، مضيفة أن بعض الأشقاء يهولون الأمور ويخوفون الأخت من زوجها، وأنه سيستولى على مالها، ويأخذ تعب والدها دون وجه حق بل ويصفونه بالغريب.
درء المشاكل
بدورها تروي أم تركي قصتها مع إخوتها «أعيش وأبنائي حياة متواضعة، وبعد وفاة والدي حصر أشقائي ثروة كبيرة وتوقعت أن الأمور فرجت، فقد اجتمع أشقائي وأنهوا الأمر، ثم فوجئت بأحدهم يعطيني مبلغ 20 ألف ريال، مطالبا بقبول المبلغ والاكتفاء به درءا للمشاكل والقطيعة، فقبلت الأمر برمته على مضض».
طغيان الطمع
وبتفاصيل مختلفة تحكي أميرة قصتها قائلة «بعد وفاة والدي أذاقنا إخوتي المر، فكانوا يبخلون علينا في كل الأمور على الرغم من التركة الضخمة التي تركها أبي»، وتضيف «كان يرحمه الله يردد أن إخوتي لن يظلمونا، ولكن بدأت الأمور تتضح، وطغى الطمع على نواياهم».
وأضافت «توفيت والدتي، وطلبت مساعدة أحد المشهود لهم بالخير لنحصل على نصيبنا، إلا أن أشقائي اشترطوا مضي خمسة أشهر بعدها يتم التوزيع، وانقضت الفترة فتعللوا بأن الشخص الذي سيتولى التقسيم مريض، ولا يزالون يسوفون ويختلقون الأعذار».
وتحدثت سيدة امتنعت عن ذكر اسمها، أن شقيقها طلب منها وأخواتها توكيلا عاما، وهددهن في حال عدم الموافقة بحرمانهن من زيارة أمهن التي تقيم في منزله، بل وصل به الأمر لقذفهن بحسب روايتها، وتحت الضغط والخوف على السمعة منحنه توكيلا بموجبه استولى على نصيبهن من الميراث.
حق الغريب
تقول أم سارة «للأسف البعض قدم العادات والتقاليد على الدين، وما أقره من واجبات، فإخوتي حرموني من نصيبي بدعوى العيب، وبعد التوزيع عرفت أن حصتي تقدر بخمسة ملايين ريال، إلا أني لم استلم سوى 100 ألف ريال بحجة أني متزوجة، وأن زوجي سيستولى على المبلغ، إضافة إلى التعلل بأن المبلغ تعب والدي ولا يحق للغريب أن يأخذه بدون تعب».
وذكرت فلوة صالح أنها لم تأخذ من إرث والدها سوى 10 رؤوس من الغنم، أما بقية التركة فذهبت لإخوتها الذكور الذين تقاسموا الأراضي والإبل والأموال، مشيرة إلى أنهم يعتبرون أن الأراضي والمنازل حق مشروع لهم دون النساء.
وزادت «اشترط علي إخوتي لنبقى أشقاء، التنازل عن بقية الإرث، وأوصوني ألا تفرق الأمور المادية بيننا كوني متزوجة، ولا أحتاج تلك الأمور، كذلك أخبروني أن منزل والدي مفتوح لي في أي وقت في حال احتجت إليه».
العدل: الإنصاف بالقنوات القضائية
قال مصدر في وزارة العدل إن قضايا الخلاف بين الجنسين فيما يخص الورث لا تكاد تُذكر، مستدركا: ترد المحاكم قضايا خلاف، إلا أنها تُحل وفق ما نصت عليه الشريعة الإسلامية، ويمكن للمرأة المحرومة من حقها في الميراث الحصول على نصيبها من خلال القنوات القضائية التي ستنصفها وتعطيها حقوقها شرعا، مطالبا كل أنثى مغبونة أو مظلومة أو مقهورة بأن تتقدم بطلب حقها الشرعي وألا تسكت عنه.
رجال بين مؤيد ومعارض
يتضامن إبراهيم العامر في العقد السابع من العمر مع النسوة المحرومات، واصفا ما يحدث بالظلم، إذ يقول “شهدت حالات كثيرة، منعت فيها المرأة من حقها في الميراث، والذي يستولي عليه بعض الرجال بذريعة العادات والتقاليد والمحافظة على النسيج الأسري”.
ويخالفه الرأي علي محمد - طاعن في السن- إذ يرى أن المرأة لا يحق لها أن تأخذ من أراضي والدها المتوفى وعقاراته، لأنها ستعطيه للغريب - زوجها -، مؤكدا أنه يرفض توريث النساء للأراضي والعقارات، ويكتفى بأخذ مبلغ مالي على سبيل الإرضاء ليس إلا.
فيما أرجع معيض القحطاني أسباب عدم توريث المرأة إلى أنها لا تحسن التصرف بها، متسائلا “لماذا تعطى المال وهي آكلة وشاربة وساكنة ولابسة”؟ اتفق معه مصلح العبدالله الذي اشترط ألا تمنح المرأة ورثتها إلا بعد تجاوز سن الثلاثين، أما إذا كانت متزوجة فالأفضل ألا تُعطى شيئا لأن زوجها سيضحك عليها ويستولي على أموالها، على حد قوله.
وفي حادثة مر بها محمد هادي يقول “لأمي نصيب من إرث جدي، وحين طالبت بنصيبها من الأراضي قال لها إخوتها بالحرف الواحد “هل تريدين أن يسكن آل فلان بيننا؟ يقصدون أبناءها الذين ينتمي والدهم لقبيلة أخرى، وبعد مداولات أسكتوها بمبلغ من المال”.
ويذكر أبو صالح أحد كبار السن أن المرأة تعطى فقط من الحلال - الإبل والغنم والمال إن وجد- أما الأراضي فلا حاجة لها بها كونها في ذمة رجل، وفي حال كانت عزباء فإخوتها ملزمون بالصرف عليها وتأمين احتياجاتها.
باب ضغينة وسلب حقوق
«الظاهرة جاهلية ممقوتة، تتسبب في بناء الكراهية والضغينة في نفس المرأة، الأمر الذي ينعكس على تركيبتها الشخصية ويشعرها بالنقص، ومن الآثار النفسية التي يخلفها حرمان المرأة من الميراث، جعلها ضعيفة الشخصية، مسلوبة الحقوق، كما أنه يقلل من ثقتها بذاتها وتقديرها لنفسها وطاقاتها وقدراتها وإمكاناتها، ما يضعف إنتاجيتها وحيويتها وعطاءها لنفسها أولا ثم لمجتمعها، كذلك خلق أجواء من القطيعة والمشاحنات والمشكلات الاجتماعية ما ينعكس على النسق الاجتماعي، ويعمل على تفكك الأسر المبنية على المودة والرحمة والتواصل والتآلف».
رئيس مكتب الدعوة ببلجرشي ورئيس لجنة إصلاح ذات البين البروفيسور أحمد الغامدي
ظلم عظيم وقطيعة رحم
«كثيرون يعانون من الظلم في توزيع التركة خاصة من النساء والقاصرين، وأحيانا من البالغين من قبل أعمامهم أو الكبار أو الموكلين على القصر من الورثة المتسلطين، فيحصل إما تأخير في توزيع التركة قد يمتد لعشرات السنين أو منع أو توزيع غير عادل.
وفي أحيان كثيرة يكون بعض الورثة من أشد الناس حاجة بل ربما تحل الزكاة لهم، رغم أنهم مستحقون لمال كثير من تركة حبست عنهم، والأمر الآخر أنها ربما توزع بشكل غير عادل، وهذا يخالف قسمة الله عز وجل بين عباده في المواريث، فيعطى منها الذكور دون الإناث وهذا ظلم عظيم وقطيعة للرحم، وعقوق للوالدين، خاصة إذا كانت التركة لأحد الوالدين أو كليهما.
كما أن بعض الرجال يعتقدون أن الابنة المتزوجة من رجل أجنبي لا يحق لها شيء في الميراث، خاصة في الأموال الثابتة غير المنقولة مثل العقارات بأنواعها، لأنهم يرون - بزعمهم- أنها ملك آبائهم وأجدادهم، ولا يحق للغريب - أي الزوج- الأخذ منها ومشاركتهم فيها».
عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان، وأستاذ الفقه المشارك، ورئيس قسم الفقه المقارن. بالمعهد العالي للقضاء سابقا - الدكتور عبدالعزيز الفوزان
تسلط واستبداد
«لا يستطيع أحد أن ينكر ما أقره الشارع الحكيم للمرأة من حق في الميراث إلا أننا نرى بعض أفراد المجتمع ينكر لها هذا الحق، بل ويسلبها إياه لا لشيء سوى التأسي ببعض العادات والتقاليد الموروثة والتي لم ينزل الله به من سلطان؛ وكنوع من التسلط والاستبداد والطمع والجشع في حق تلك المرأة التي اعتاد بعض أفراد المجتمع على ظلمها وإجحاف حقها سواء في النواحي المادية أو غيرها من نواح أخرى كالعاطفية والتعليمية والاجتماعية، متجاهلا كونها إنسانا كالرجل، لها من الحقوق ما لا يجوز المساس به أو إنقاصه، ولها من الواجبات ما لا ينبغي التفريط أو التهاون به، كما أن البعض وللأسف الشديد يسلبها هذا الحق في الميراث والتركة بحجة ألا يذهب المال إلى رجل غريب (وهو زوجها أو أبناؤها).
ونصيحتي لأي امرأة هُضم حقها في الميراث أن تسعى إلى استرداده بالطرق الودية وبعد استنفاذ جميع المحاولات دون التمكن من استرداده، لها أن تلجأ إلى الجهات المعنية غير مبالية بردود فعل البعض ممن ينكر عليها هذا التصرف، لأنها بذلك لن تحصل على حقها فقط، بل سوف تكون نموذجا ناجحا للنساء من حولها في استرداد حقوق المرأة بشأن الميراث والتركة ودفع الظلم عنها وعن النساء أمثالها.
فهذا الظلم الموجه إلى المرأة لن يقف دون أن تطالب بحقها وتدافع عنه».
المستشار التربوي الدكتور محمد عاشور
الأكثر قراءة
تكبيرات عشر ذي الحجة.. أصوات إيمانية تُحيي المشاعر وتملأ الأجواء روحانية
"الالتزام البيئي" يرصد جودة الأوساط في "المدينة" بـ 500 جولة رقابية
الأثر وما أدراك ما الأثر: بين الرغبة في البقاء والخشية من الفناء
وجهة البحر الأحمر تستقبل العيد بتجارب جديدة للسيدات والعائلات
الشوارع العامة ليست لعبة سكوتر
الحج جامعة تهذيب الإنسان