«لا عذر للجميع أمام الله».. ملزمة تكشف أحقاد الحوثي التاريخية لـ«استهداف مكة»
مكة
الرياض
7 دقائق للقراءة

الحوثيين 1
الحوثيين 2
الحوثيين 3
الحوثيين 4
الحوثيين 5
حجم الخط
فضحت أسباب عداء السعودية وتأييد «الخميني» برفع شعارات البراءة «أثناء الحج»
من مزاعم السيطرة الأمريكية والإسرائيلية على الحج، إلى الروايات المذهبية عن هدم الحرمين وإعادة بنائهما، تبرز تساؤلات حول الجذور العقائدية والسياسية التي تحكم نظرة الجماعة الحوثية الإرهابية، إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في السعودية.
فهم المشهد
في السابق كان الاقتراب من ملفات كهذه يعد تجاوزا للمحظورات؛ لكن الظروف السياسية الآنية، تحتم على أقل تقدير وضع الإصبع على الجرح، ليس من باب التنبيش بقدر السعي لفهم المشهد، الذي قاد جماعة تدعي الإسلام، للانقلاب على مبادئ الدين والعروبة والإنسانية، عبر تطاولها على أقدس بقاع الأرض، مكة المكرمة والمدينة المنورة.
شواهد التطرف الحوثي
وضمن ما يعتبر شاهدا على التطرف الحوثي يجوز استدعاء بعض الأحداث. ففي يوم الجمعة الماضي السابع من نوفمبر، طالت يدر الغدر الحوثي منطقة مكة المكرمة بطائرة مسيرة تصدت لها قوات تحالف دعم الشرعية. وفي 24 أكتوبر 2026 - أي الشهر الماضي -، اعترضت الدفاعات الجوية السعودية صاروخين باليستيين أطلقتهما ميليشيات الحوثي الإرهابية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأكد وقتها الدفاع المدني السعودي سقوط أجزاء من الصاروخين في وادي المغمس بالعاصمة المقدسة، إلى جانب شظايا سقطت في مواقع بمحافظات جدة والطائف ورابغ.
الوادي القريب من المسجد الحرام
وللعلم فإن الوادي يقع على مقربة من المسجد الحرام، مما أعاد إلى الواجهة، مفهوم تشكيل الحوثي خطورة بالغة على أمن الحرمين الشريفين وسلامة قاصديهما، وبالوقت نفسه أثار ذلك الأمر تساؤلات؛ بشأن دوافع الجماعة في تعريض أقدس البقاع الإسلامية لمخاطر الصواريخ الباليستية.
ليست الأولى
ولم تكن تلك الوقائع هي الأولى من نوعها؛ بل سبقها كثيرا مما يثبت ما في سريرة الجماعة من حالة عدائية ضد مقدسات المسلمين، وضد السعودية بالعموم؛ فقد كان سقوط قناعها والكشف عن سوداويتها، خلال أكتوبر 2016 بعد أن كسرت النمطية القدسية لمكة المكرمة، بإطلاقها صاروخا باليستيا اعترضته الدفاعات الجوية السعودية على مسافة 65 كلم من المنطقة. وأعاد الحوثي تصرفه المارق في يوليو 2017، باستهداف أقدس بقاع الأرض، لكن القوات السعودية كانت له بالمرصاد، وحطمته فوق منطقة الواصلية بمحافظة الطائف، على مسافة 69 كيلومتر من المدينة المقدسة.
نفي مكذوب وادعاءات مكشوفة
وفي كل مرة من ممارساته الإرهابية، لا يجد الحوثي بدا من استخدام النفي من منطلق التملص من انحرافاته، لكنه لم يع أنه ورغم النفي بأن تكون مكة هي الهدف المقصود من تلك الهجمات، وإصراره على تسويق سردية استهداف منشآت عسكرية أو مصالح «أمريكية»، فإن تكرار هذه الحوادث يثير تساؤلات تتجاوز الحسابات العسكرية: هل تحمل نظرة الحوثيين إلى مكة المكرمة والحرمين الشريفين بناء على جذور عقائدية وسياسية؟.
أدبيات تأسيس الجماعة.. الأدلة القاطعة
صحيفة «مكة» أجرت بحثا معمقا استغرق أياما معدودة، ووصلت لاستنتاجات تستحق التوقف عندها وتدبرها جليا. وبالعودة إلى ملازم حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة الحوثية الذي قتل عام 2004، يبرز عدم انفصال تصوره للحرمين، في خطابه السياسي تجاه السعودية عن الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى هذا الأساس يمكن فهم كيف أسست الجماعة لرواية ممجوجة، وضعت جميع المواقع داخل المملكة بما في ذلك المقدسة هدفا لها.
لا عذر للجميع أمام الله
في ملزمة «لا عذر للجميع أمام الله»، التي ألقاها عام 1422هـ، يتحدث الحوثي في الصفحة الـ11 عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان للاستيلاء على الحرمين الشريفين. يقول صراحة: أمريكا وإسرائيل تخططان للاستيلاء على الحرمين. ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل يربط هذا التصور بموقفه من السعودية، مستندا على علاقتها بالولايات المتحدة، وهو الأمر الذي دفعه لاعتبار شعيرة الحج، ذات قيمة سياسية استراتيجية كبرى، على حساب نزع رداء العبادة عن الركن الخامس من أركان الإسلام.
الحج.. ساحة صراع سياسي
ويذهب الحوثي في روايته، للقول علانية إن خصومه يدركون أهمية الحج في توحيد المسلمين أكثر مما يدركها المسلمون أنفسهم، وإن السيطرة عليه، تمنح صاحبه قدرة على التأثير في العالم الإسلامي. وبتمعن ذلك، تتضح إحدى الركائز الفكرية في الخطاب الحوثي منذ التأسيس، والتي تفيد بأن الحج - وفقا للنظرة الحوثية - ليس مجرد عبادة يؤديها المسلمون، بل فرصة لتحويل الشعيرة لساحة صراع سياسي وعقائدي، تتجاوز أهميتها حدود السعودية.
السعودية والارتباط بأمريكا
والحقيقة أن المثير في هذا التصور لا يتوقف عند استدعاء الولايات المتحدة وإسرائيل في شأن خاص بالمسلمين، بل بتوظيف ذلك وصولا للتشكيك في الموقف السعودي نفسه، عبر تصوير المملكة كدولة مرتبطة بالسياسة الأمريكية، في سياق حديثه عن المخططات المزعومة للسيطرة على الحرمين. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال: هل ينظر المشروع الحوثي إلى إدارة السعودية للحرمين باعتبارها مسؤولية سيادية ودينية، أم باعتبارها واقعا سياسيا ينبغي تغييره؟
الرواية الساقطة
وضمن الفضائح التي يجهلها أولئك الأغبياء، علاقتهم هم أنفسهم - جماعة أنصار الله - بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي التي قدمت وعودا لواشنطن، بعد لعق أحذية المسؤولين الأمريكيين بطريقة مهينة ومذلة، بعدم تعرضها لأي من السفن الأمريكية والإسرائيلي، حال عبورها باب المندب، مقابل فرض طوق إرهابي ضد أي ناقلة سعودية؛ ما يفسد مبررات ارتباط السعودية بأمريكا، التي استندت عليها في الأصل، ووضعتها سببا لاستهداف الأراضي السعودية، بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة.
الحج في فكر الحوثي.. شعيرة أم ساحة مواجهة؟
بالعودة للحج، فإن الجواب عن السؤال المطروح في الجزء ما قبل السابق، يحتاج إلى كثير من القراءات والبحوث؛ ولفهم الصورة الكبرى في العقل الحوثي، ينبغي العودة للصفحة الـ13 من الملزمة الآنف ذكرها. إذ يستشهد حسين الحوثي بتجربة المرشد الإيراني الأسبق روح الله الخميني، وإشادته بتوجيهه الإيرانيين برفع شعارات البراءة من أمريكا وإسرائيل أثناء مواسم ماضية من الحج.
الدور السياسي للحج
يعتبر الحوثي أن هذه الممارسة تمثل استعادة للدور الذي يراه للحج، منتقدا الفصل بين أداء الشعيرة والمواقف السياسية التي يريد التعبير عنها، ما يعطي دلالات واضحة بأن المنهجية المتبعة في ذك الشأن، مبنية على رؤية لا تتعامل مع الحج باعتباره شأنا تعبديا فحسب، بل بالضرورة توظيفه سياسيا، اتصالا بالصراع مع الخصوم، وربطه بمفهوم البراءة الذي تبنته الثورة الإيرانية. بذلك، لا تصبح الخلافات حول إدارة الحج وتنظيمه مجرد خلافات إجرائية، إنما جزء من مواجهة أوسع، بشأن من يمتلك حق توجيه الأمة الإسلامية والتحدث باسمها.
أحقاد موروثة
ويواصل زعيم الجماعة الانفصالية الإرهابية الحالي عبد الملك الحوثي ما ورثه عن أخيه المقبور، وحمل لواء تلك المزاعم نكاية في السعودية، وسعيا لربطها - مثله مثل جميع المنتمين لما يسمى بـ(محور المقاومة)، الذي يشكله حفنة من المرتزقة من عبدة الأيديولوجية الإيرانية -؛ ففي أكتوبر 2015، اتهم السعودية بالتعاون مع إسرائيل، واستغلال الحج والبيت الحرام لأغراض مالية؛ بحسب ما نقلته شبكة CNN العربية آنذاك.
السعودية والحرم المكي.. 5 ملايين يوميا
للاستدلال على سخف الرواية التي يسوقها الحوثي ومن يسير في فلك النظام الإيراني، وغيرهم من العروبية والقومجية، يجب من منطلق تسلط الضوء على المسؤولية الدينية والواجب الأخلاقي اللذين تتولاهما المملكة تجاه ملياري مسلم على كل بقاع الأرض، الحديث بلغة الأرقام التي لا تكذب، فبحسب إحصائيات رسمية، تبلغ تكلفة تنظيف الحرم المكي بشكل يومي 5 ملايين ريال، بينما تتجاوز قيمة توفير الكهرباء 55 مليون ريال شهريا، ناهيك عن بقية الخدمات التي توفرها لقاصدي البقاع المقدسة، وأعداد الكوادر التي تعمل على تنظيم مواسم الحج والعمرة من أبناء المملكة، لا مستوردين من الخارج.
فشل الخطاب
وبالنظر للخطاب الحوثي السابق والحالي؛ يتضح سخف المبررات، وينكشف التطابق بين خطاب المؤسس وزعيم الجماعة الحالي، باستمرار توظيف الحرمين في الرواية السياسية، وبالتالي شرعنة استهداف البقاع المقدسة عسكريا، لخدمة الأجندات الإيرانية، التي تنظر للجماعة باحتقار مطلق، ولا تضع لها أدنى قيمة أو وزن يمكن البناء عليه.
الاستناد على الروايات الإمامية
لكن التعمق بهذا الملف، يزيل الضبابية عن كثير من الأسس والأفكار العقائدية، التي تفرض نفسها على المشهد، وتستحق الدراسة، لا سيما تلك المتعلقة بروايات واردة في بعض مصادر الإمامية الاثني عشرية، وتتحدث عن قيام المهدي بهدم المسجد الحرام والمسجد النبوي واعادتهما إلى أساسهما. ومن هذه الروايات ما أورده الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة»، منسوبا إلى الإمام جعفر الصادق «القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول إلى أساسه». كما وردت روايات ذات صلة في كتاب «الكافي» للكليني، تتحدث عن إعادة البيت الحرام والمسجد النبوي إلى أساسهما.
تضارب الروايات
صحيح أن قراءة هذه النصوص يستلزم التمييز بين ألفاظها ومعانيها، وبين ما يفسره بعض الباحثين من ناحية الهدم، وما يجده بعضا من علماء الإمامية بأنه إعادة بناء وفق الأساسات الأصلية، لا اعتداء على حرمة المكان، حتى أن بعضهم - أي الباحثين الإمامية -، يرون ضعفا في إسناد تلك الروايات، أو أنها مرسلة، استنادا على استخلاص أن المقصود من ذلك الإصلاح المعماري، وليس إباحة تخريب المقدسات.
كراهية مبطنة.. وتلاقي عند الخصوم
بالاطلاع على الإطار العام لعلاقة جماعة الحوثي، أو الزيدية بشكل جامع، بالإثني عشرية الذين يمثلون غلاة المذهب الشيعي، تتضح بعض المفارقات العقائدية الصلبة بين الطرفين. فالأول - أي الحوثي - لا يؤمن بحصر الإمامة بعدد معين، بينما يؤمن الثاني - الإثنا عشرية وهم بالمناسبة المتحكمون بمفاصل الدولة في إيران - بما يطلق عليهم «المعصومين»، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم المهدي المنتظر. هذا التنافر العقدي وإن كان يضمر في باطنة كراهية متبادلة مطلقة، لكنه تجاوز ذلك حين تلاقت المصالح السياسية، عند بوابة الخصومة مع المملكة؛ ومن هنا يمكن فهم كيف اجتمع الطرفان المتضادان عند نقطة واحدة، عبر تسخير الدين لخدمة السياسة.
من العقائدية.. لتعبئة البسطاء
في الواقع النتيجة النهائية التي لا تجامل أحدا، تؤكد تبخر كل حجج جماعة الحوثي العقائدية، التي ساقها حسين الحوثي قبل أكثر من عقدين، وورثها منه المندس الجبان فاقد المروءة والشهامة عبد الملك؛ وسقطت أقنعة الجماعة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ اللحظة الأولى التي وضع فيها أولئك المارقون مكة المكرمة والمدينة المنورة، ضمن أهداف التطرف والإرهاب المعتمدة على تعبئة شرائح البسطاء المعدمين، ورسمها جنرالات الحرس الثوري في طهران، ونفذها ثلة من الجهلة والأغبياء الطارئون على اليمن الشقيق، ممن وضعوا أنفسهم أدوات لتنفيذ مخططات زلزلة دول المنطقة، فقط لإرضاء من يأتمرون بأمره في قم، ويعاملهم بمنتهى الاحتقار والإذلال، بعد تجريدهم من الرجولة والفروسية، المعروف أنها تلد مع العرب الأقحاح ولا تكتسب مع الوقت، أو تشترى بالمال، مهما كان، ريالا إيرانيا، أو دولارا أخضر.
شارك هذا المقال




