في نوفمبر 2023، نشرت امرأة أمريكية مقطعا لسيارتها التي التهمتها النيران، ووسط الحطام، ظهر كوب ستانلي الحراري سليما؛ إذ هزته أمام الكاميرا لتسمع المشاهدين صوت الثلج الذي لا يزال بداخله. لم يكن المقطع إعلانا مقصودا، لكنه حصد أكثر من 90 مليون مشاهدة، وما إن انتشر حتى ظهر رئيس الشركة في مقطع آخر معلنا تعويضها عن سيارتها.

في لحظة واحدة، تحولت تجربة شخصية عفوية إلى واحدة من أكثر القصص التسويقية تداولا؛ لم تصنعها ميزانية إعلانية، بل صنعها فرد وجمهور تفاعل مع تجربته، ثم أحسنت المؤسسة استثمار تلك اللحظة.

هذه الحكاية ليست عن كوب حراري، بل عن انتقال سلطة التأثير؛ فالمؤسسة التي كانت تحتكر المنبر والرسالة والميزانية، باتت تتشارك هذه القوة مع أفراد قادرين على الوصول إلى الجمهور وإقناعه، بل والتأثير في قراراته بشكل يتجاوز أحيانا فاعلية الإعلان التقليدي.

لم يعد هذا التحول انطباعا عابرا؛ فقد قدر تقرير «وي آر سوشال» الإنفاق العالمي على إعلانات المؤثرين بنحو 39.3 مليار دولار خلال عام 2025. وفي الولايات المتحدة وحدها، توقع مكتب الإعلان التفاعلي وصول الإنفاق على صناع المحتوى إلى 37 مليار دولار في العام نفسه. كما أظهر تقرير الاتحاد العالمي للمعلنين أن 99% من العلامات التجارية المشاركة في دراسته تعتمد على صناع المحتوى للترويج لخدماتها ومنتجاتها.

تؤكد قراءتنا اليومية لسلوك المستهلك هذا التحول؛ فقبل أن يختار المرء مطعما، أو يشتري جهازا، أو يحجز رحلة، بات يبحث عن تجربة شخص عادي، ويشاهد مراجعة مصورة، ويتابع التعليقات، ثم يتخذ قراره. لقد توقف الجمهور عن الاكتفاء بما تقوله المؤسسة عن نفسها، وبات يبحث عمن يختبر تجربتها نيابة عنه. تكمن المشكلة حين تختلط الشهرة بالمصداقية، وحجم المشاهدات بالتأثير الحقيقي؛ فليس كل صاحب جمهور قادرا على الإقناع، ولا كل توصية تستحق الثقة. هنا تقع مسؤولية مشتركة؛ فعلى المؤسسة أن تقيس أثر الشراكة لا مدى الوصول فحسب، وعلى المؤثر أن يدرك أن توصيته قد تترجم إلى قرار شراء، وأن الإفصاح عن الإعلان واحترام ثقة الجمهور ليسا خيارا تجميليا.

لم يلغ المؤثر دور المؤسسة، لكنه كسر احتكارها للتأثير. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات اليوم ليس كيف تشتري مزيدا من الظهور، بل كيف تستعيد ثقة جمهور بات يستمع للآخرين قبل أن يستمع إليها.

فالشهرة تجذب الانتباه، لكن الثقة هي التي تحرك القرار.