ليست قوة الدول فيما تمنحه من أموال فحسب، بل في قدرتها على تحويل العطاء إلى علاقة مستدامة تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتمنع تحول المساعدة إلى التزام مفتوح لا سقف له.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من التحول الذي شهدته السياسة الاقتصادية السعودية في السنوات المرتبطة برؤية 2030؛ إذ لم يعد الدعم المالي الخارجي محصوراً في المنح والمساعدات التقليدية، بل اتسعت أدواته لتشمل الودائع المصرفية والاستثمارات والشراكات الاقتصادية التي تحقق مصالح متبادلة وتؤسس لعلاقات أكثر استدامة.

لقد اعتادت بعض الدول النظر إلى المساعدة السعودية باعتبارها مورداً يمكن التعويل عليه كلما اشتدت الأزمات أو ضاقت الموارد، حتى أصبح استمرار الدعم، في نظر بعض المستفيدين، أقرب إلى حق مكتسب منه إلى علاقة مالية تحكمها المسؤولية والتوازن.

لكن المملكة، وهي تعيد تشكيل اقتصادها وتنويع مصادر قوته ودخله، أصبحت أكثر حرصاً على أن يكون دعم الآخرين جزءاً من سياسة اقتصادية مستدامة، لا مساراً مفتوحاً لاستنزاف الموارد دون عائد أو إطار واضح.

وتقدم العلاقة مع مصر مثالاً واضحاً على هذا النهج الأخوي.
بلغت الودائع السعودية المعلنة لدى البنك المركزي المصري نحو 10.3 مليارات دولار، تشمل خمسة مليارات قصيرة الأجل و5.3 مليارات متوسطة وطويلة الأجل، وفق بيانات وتقارير منشورة.

كما تناولت تقارير حديثة مفاوضات تتعلق بتجديد بعض الودائع المستحقة، وهو ما يعكس إدارة هذه الأموال ضمن أطر مالية واضحة ومواعيد استحقاق محددة، وليست منحاً دائمة أو موارد بلا التزامات.

وفي الأردن، شاركت السعودية عام 2018 بحزمة دعم اقتصادي بلغت 2.5 مليار دولار، ضمن ودائع لدى البنك المركزي الأردني ومساندة للموازنة وضمانات تمويلية.

ولم يكن الهدف مجرد معالجة ضغوط مالية مؤقتة، بل المساهمة في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، ومنح الاقتصاد الأردني مساحة أوسع للتعامل مع التحديات الاقتصادية التي واجهته آنذاك.

وهنا تبرز الفكرة الأهم: فالوديعة ليست هبة، وتجديدها لا يعني التنازل عن أصلها، بل يمثل صيغة أكثر توازناً بين الدعم والحفاظ على الحقوق المالية، وهي توفر للدولة المستفيدة سيولة تحتاجها في لحظات الضغط، وفي الوقت نفسه تتيح للمملكة إدارة مواردها بكفاءة ومسؤولية في إطار المشاركة المتبادلة.
ولعل ما يميز هذا النهج أنه ينقل العلاقة من دائرة الاعتماد المالي المؤقت إلى فضاء التعاون الاقتصادي الأوسع.

فالوديعة قد تكون بداية لمسار يقود إلى استثمارات مشتركة، أو تبادل تجاري أكبر، أو مشاريع تنموية تحقق منفعة للطرفين، وهو ما يجعل أثرها أبقى من أثر المساعدة التقليدية التي تنتهي غالباً بمجرد إنفاقها.

لم تغلق السعودية أبواب العطاء، بل وازنت بين واجب المساندة وحقها المشروع في حماية ثرواتها وإدارة مواردها وفق أولوياتها التنموية. فالهبة قد تعالج أزمة طارئة، أما الشراكة المتوازنة فبإمكانها أن تصنع استقراراً أطول عمراً ومصلحة أكثر رسوخاً.

والعلاقات التي تقوم على التوازن بين الأخذ والعطاء هي الأقدر على البقاء، لأنها تحفظ الود وتصون المال وتمنح جميع الأطراف قدرة أكبر على الاستمرار.
وذلك هو الفارق الجوهري الذي نظمته الرؤية بين مساعدة ينتهي أثرها باستهلاكها، ودعم يتحول مع الزمن إلى قوة اقتصادية مشتركة ومصلحة متبادلة.

shaheralnahari@