فضائل العاجزين
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
يتمتع بعض الناس بموهبة أخلاقية نادرة؛ فهم قادرون على تحويل كل ما يفشلون في تحقيقه إلى رذيلة، ثم إلقاء محاضرة في فضائل الاستغناء عنه. فمن أخفق في جمع الثروة اكتشف فساد الأغنياء، ومن عجز عن بلوغ الشهرة أدرك تفاهة المشاهير، ومن استعصت عليه المناصب صار من كبار المدافعين عن الزهد فيها، والأعجب أن هذه الاكتشافات تأتي دائما بعد إغلاق أبواب الفرص، حتى ليخيل إليك أن أبواب الحكمة لا تفتح عندهم إلا بالمفاتيح التي فشلت في فتح أبواب النجاح.
وقد تناول الفيلسوف الألماني ماكس شيلر جانبا من هذه المفارقة في دراسته لمفهوم الضغينة المتراكمة (Ressentiment)، حيث يمكن لمشاعر الحسد والعجز المكبوتة أن تعيد تشكيل أحكام الإنسان على القيم، وهنا تظهر حيلة نفسية بالغة الإتقان؛ فبدلا من مراجعة قدراته أو الاعتراف بخيبته، يراجع قائمة الفضائل والرذائل، وينقل ما عجز عنه إلى خانة المذمومات؛ وبهذا يخرج من التجربة منتصرا أخلاقيا، بعد أن خسرها عمليا، وهي نتيجة تستحق الإعجاب، خصوصا أن صاحبها يتولى إعلانها وتحكيمها وتوزيع جوائزها بنفسه.
وللقناعة مكانة رفيعة في هذا المذهب، شريطة أن يمارسها الآخرون، فإذا اشترى صديق منزلا جميلا، حدثه عن بساطة العيش؛ وإذا اقتنى سيارة فاخرة، ذكره بأن قيمة الإنسان في جوهره؛ وإذا سافر للاستمتاع بإجازته، أرسل إليه موعظة عن الإسراف، وقد يضطر صاحبنا إلى قضاء ساعات طويلة يتفحص صور الرحلة وتفاصيل الفندق، حتى يتأكد تماما من أن السعادة الحقيقية تسكن في الأشياء التي يملكها هو، وأن ما يملكه الآخرون مجرد أوهام مكلفة.
أما النجاح في العلاقات الاجتماعية، فيخضع لتحقيق أخلاقي دقيق، فحين يتفوق صديق، تبدأ رحلة البحث عن العيوب التي تفسر تفوقه؛ وحين يترقى زميل، تنشط الذاكرة لاستحضار أخطائه القديمة؛ وحين يبرز شخص موهوب، يصبح التواضع فجأة أهم من الموهبة، والمثير أن المحققين في هذه القضايا يتمتعون بنزاهة استثنائية، فهم يرفضون الانبهار بأي إنجاز لم يحققوه، ويعدون إعجاب الناس به دليلا إضافيا على فساد الذائقة العامة.
وفي المجالس، يكتسب أصحاب هذا المذهب هيبة الحكماء؛ يتحدث أحدهم عن زوال المناصب، ويشرح آخر خواء الشهرة، ويحذر ثالث من فتنة المال. وتكاد تظن أنك في مجلس من الزهاد الذين هجروا الدنيا، حتى يرن هاتف أحدهم بعرض وظيفي مغرٍ، فيستأذن على عجل، ويخرج ليتفاوض على الراتب والبدلات، وحين يعود، يوضح أن قبول المنصب تضحية تقتضيها المصلحة العامة، وأن زيادة الدخل تعينه على خدمة الآخرين، وهكذا تنجو المبادئ من التناقض، بفضل قدرة أصحابها على تغيير معاني الكلمات عند الضرورة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن هؤلاء يحتفظون بسجل دقيق لنجاحات الآخرين، يفوق اهتمامهم بشؤونهم الخاصة، يعرفون مقدار ما يملك فلان، والمنصب الذي بلغه علان، والجوائز التي حصل عليها ثالث، ثم يقضون وقتا طويلا في إثبات أن هذه الأشياء تافهة، ولو أنفقوا نصف هذا الجهد في تطوير أنفسهم، لربما اضطروا إلى التخلي عن جانب كبير من فلسفتهم، وهو ثمن فكري باهظ يصعب على أصحاب المبادئ المتينة احتماله.
ومع ذلك، فإن الزهد الحقيقي يظل فضيلة إنسانية جليلة، والقناعة اختيارا كريما حين تصدر عن نفس قادرة على التمييز بين ما تريد وما تستغني عنه. أما الذين يجعلون من حرمانهم معيارا للحكم على الآخرين، فإنهم يضعون الأخلاق في خدمة أحوالهم المتقلبة، حتى تصبح الفضيلة عندهم خاضعة لتوفر الفرص، والرذيلة مرتبطة بتعذر الحصول عليها.
وأعظم ما يميز فضائل العاجزين أنها فضائل مؤقتة، تنتهي صلاحيتها فور تحسن الظروف؛ فالرجل الذي أمضى عشرين عاما يشرح للناس فساد الثروة، قد يحتاج إلى عشرين دقيقة فقط ليكتشف فضائلها، بشرط أن تودع في حسابه.
