تقاس نجاحات الأحداث العالمية بحجم الحضور، وبمن يصيغ روايتها ويخلدها. ففي دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014، انتشرت أخبار عن عدم اكتمال الفنادق وقصور البنية التحتية، مما دفع الصحفيين لانتقاد ما رأوه. حينها، تفوق حساب شخصي أنشأه صحفي كندي على الحساب الرسمي للحدث؛ إذ وثق شكاوى الصحفيين العالميين، فسيطر على الصورة النمطية للدورة ونقلها للجماهير، متجاوزا عدد قراء الموقع الرسمي.

وبعد أربع سنوات، أعادت روسيا التجربة مع نسخة مختلفة من الشهود؛ فبحسب مركز الدراسات الشرقية في وارسو، حضر 3,031,768 متفرجا 64 مباراة من حول العالم، وقد انبهروا بنظافة المدن وتنوع المطاعم ومناطق الترفيه، فبدت روسيا وجهة آمنة وجاذبة للسياحة والرياضة. ومع ذلك، لم يتفاعل الإعلام الروسي الرسمي مع تدفق الزوار، وهو ما اعتبره المراقبون خللا في البيان الإعلامي. وفي المقابل، كان المشجعون ينقلون تجاربهم لبلدانهم بالطريقة التي يختارونها؛ وهنا تكمن «قوة الشاهد»، حيث يملك «العيان» القدرة على إصلاح الصورة أو إفسادها حين يترك الإعلام المحلي فجوة تتفوق عليها الروايات الفردية.

أسمي هذه القاعدة: «قوة الشاهد» وتأثيره؛ فالمتلقي حين لا يجد رواية موثوقة، يبادر للاجتهاد والاكتشاف بنفسه، وقد وجدت اتفاقا على ذلك لدى ثلاثة من أبرز الباحثين في سمعة الدول؛ إذ يرى «جوزيف ناي» أن الجمهور الخارجي يعجب بالدولة حين تقدم له ما يرغب فيه - مثل فعاليات هيئة الترفيه في المملكة، حيث تؤكد ردود الأفعال الخارجية ذلك من خلال تكرار الزيارات ومعدلات الرضا -، ويضيف ناي أن العكس يحدث حين تفرض الدولة ما ترغب هي فيه؛ إذ لا يكفي تقديم الأكلات الباريسية الفاخرة لضمان صورة إيجابية لفرنسا! كما حلل «سايمن أنهولت» خبير الهوية التنافسية وصورة الدول عبر نحو مليار نقطة بيانات، وخلص إلى أن صورة الدولة ترتبط بنسبة تزيد عن 85% بما تقدمه للعالم فعليا، ولا علاقة لها بما تنفقه على الترويج، وفحص «نيكولاس كَل» بعد دراسة خمس تجارب ناجحة وأخرى فاشلة لكل وسيلة من وسائل مخاطبة الشعوب، اتضح أن الاستماع هو الخطوة الأولى، وأن الفشل غالبا ما ينشأ من الفجوة بين ما تقوله الدولة وما يلمسه الناس على أرض الواقع؛ فالقاعدة ثابتة: يصدق الناس ما يرونه لا ما يسمعونه، مما يثبت ضرورة مواكبة الخطاب الإعلامي للتجربة الفعلية لتعزيز الصورة الذهنية وترسيخها.

أين يقف إعلامنا اليوم؟ في العام الماضي، استقبلت المملكة نحو 123 مليون سائح؛ 93.3 مليونا منهم من الداخل، و29.3 مليونا من الخارج، وهي تمضي قدما نحو تحقيق مستهدف 150 مليون زائر بحلول عام 2030.
وتتوالى الأحداث الكبرى؛ فبعد فترة قريبة ستستضيف المملكة كأس آسيا، يليها «إكسبو الرياض» ثم كأس العالم 2034، فضلا عن المشاريع الوطنية العملاقة؛ كمدينة القدية، والدرعية، ووجهة البحر الأحمر، ومطار الملك سلمان بطاقته الاستيعابية الضخمة، إضافة إلى مشاريع الرياض الكبرى مثل حديقة الملك سلمان، والرياض الخضراء، والمسار الرياضي، والرياض آرت، وغيرها من المشاريع المنتظرة التي تستهدف استقطاب ملايين الزوار.

لذا، نحن بحاجة إلى مراكز وطنية لعمليات الاتصال والإعلام تضم كوادر إبداعية شابة تجمع بين الرصانة المهنية والمهارة، مع تكثيف برامج تأهيل الممارسين لتهيئتهم للتعامل مع هذه الأحداث، وتمكين الطلاب الجامعيين - باعتبارهم عنصرا استراتيجيا - من ممارسة العمل الميداني وفق خطة زمنية تمتد إلى ما بعد عام 2030؛ لأن الصورة الذهنية تتشكل غالبا من الوهلة الأولى.

moha_alm@