حين أُنشئت كليات المجتمع في المملكة، كان لها دور واضح في استيعاب خريجي الثانوية وتقديم دبلومات قصيرة تتيح لهم دخول سوق العمل. لكن التوسع اللاحق في الجامعات وبرامج البكالوريوس أضعف جاذبية هذه الكليات، وجعلها لدى بعض الطلاب خيارا اضطراريا. ففي دراسة ميدانية على كلية المجتمع بعرعر، أفاد 45% من الطلاب المشاركين بأنها لم تكن خيارهم الأول، ورأى 81% من أعضاء هيئة التدريس المشاركين أن محدودية البدائل دفعت كثيرين إلى الالتحاق بها (Pakistan Journal of Life and Social Sciences: 2024: 22(2): 13120–13129). ورغم أن النتائج تخص كلية واحدة، فإنها تثير سؤالا أوسع عن الدور الذي يمكن أن تؤديه كليات المحافظات.

في هذا السياق، جاء قرار مجلس شؤون الجامعات عام 2022 بتحويل 40 كلية نظرية في المحافظات إلى كليات تطبيقية، ليصل عددها آنذاك إلى 75 كلية. وكانت خطوة تستحق الدعم، إذ تتيح برامج أقصر وشهادات مهنية وتدريبا عمليا قريبا من الطلاب، مع الاستفادة من المرافق القائمة. وقد أكدت وزارة التعليم مراعاة احتياجات سوق العمل والربط الجغرافي للبرامج (وزارة التعليم: 2022: 23 يوليو). غير أن نجاح التحول يتوقف على مدى ارتباط هذه البرامج باقتصاد المحافظات، لا على تغيير المسمى وحده.

تختلف المحافظات في مواردها وأنشطتها الاقتصادية، وبالتالي تتباين احتياجاتها من الدبلومات تبعا لطبيعة كل محافظة وظروفها المحلية. فالمناطق الزراعية تحتاج برامج في الزراعة الذكية وإدارة الري ومكافحة الآفات وإنتاج الشتلات وتصنيع التمور والفاكهة وحفظها، ومناطق تربية الماشية والإبل إلى إدارة الحظائر وتغذية القطعان وإنتاج الأعلاف وتقنيات الألبان وتصنيعها، ومناطق الدواجن إلى إدارة المفاقس والأمن الحيوي وتشغيل المزارع وصيانة تجهيزاتها. وتبرز في المحافظات الساحلية برامج الاستزراع السمكي والروبيان وتشغيل المزارع المائية ومراقبة جودة المياه وحفظ الأسماك وتصنيعها وسلاسل التبريد، وقد امتد الاستزراع المائي إلى الداخل بافتتاح مركز للسلمون في حائل. وفي المحافظات الجبلية والريفية تبرز مجالات العسل والبن والورد والنباتات العطرية وتقنيات الإنتاج والتجفيف والتعبئة والتسويق ضمن برنامج التنمية الريفية المستدامة. وتضاف إليها مجالات إعادة تدوير المخلفات الزراعية والسماد العضوي ومعالجة المياه وصيانة مضخات الري وأنظمة الطاقة الشمسية، وفي المحافظات السياحية والتراثية إدارة المرافق السياحية والإرشاد السياحي والحرف والصناعات المحلية. ولا يعني ذلك فتح كل التخصصات في كل كلية، بل اختيار ما تؤيده الموارد المحلية وفرص العمل الفعلية، وتقديم بعضها كشهادات قصيرة بدل دبلومات كاملة.

ولا ينبغي أن ينتهي دور الكلية عند إعداد الخريجين. فالبلدية التي تواجه مشكلة في النفايات، والمزارع الذي يسعى إلى تقليل استهلاك المياه، وصاحب المنشأة الذي يحتاج إلى تحسين جودة منتجاته، جميعهم شركاء محتملون. ولدينا تجربة مشجعة، فقد تعاونت الكلية التطبيقية بالمجاردة مع مزرعة «غصن» في الزراعة الذكية والتدريب والبحث التطبيقي (جامعة الملك خالد: 2024: 21 أكتوبر). وتكمن أهميتها في جعل المزرعة امتدادا للتعليم والتدريب، بدلا من حصرهما داخل القاعات والمعامل.

تقدم التجارب الدولية نماذج رائدة تؤكد أن قيمة المؤسسة التعليمية لا تنحصر في تخريج الطلاب، بل تشمل ما تقدمه لمجتمعها. ففي البرازيل يُلزم قانون إنشاء المعاهد الفيدرالية بتوجيه برامجها وفق الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمناطق التي تخدمها، وفي فيتنام طوّرت كلية ترا فينه المجتمعية برامجها بالتشاور مع المنتجين المحليين قبل تحولها إلى جامعة، وفي الهند تعمل شبكة من 731 مركزا لعلوم الزراعة على نقل المعرفة إلى حقول المزارعين، بينما يستند الإرشاد الزراعي الأمريكي إلى شراكة بين الجامعات والمجتمعات المحلية منذ قانون سميث ليفر عام 1914. وتذهب الجامعة الريفية الأفريقية في أوغندا إلى أبعد من ذلك، إذ تجعل خدمة المجتمع الريفي جوهر المنهج، فتُعدّ «أخصائيات تحول ريفي» يعشن سنة كاملة داخل القرى يسهلن التخطيط التشاركي ويتدربن على الميدان.

والاستفادة من هذه التجارب محليا لا تتطلب مباني جديدة أو ميزانيات كبيرة، بل تستطيع كل كلية إعداد دراسة مختصرة لاقتصاد محافظتها بالتعاون مع الجهات المختصة وأصحاب المنشآت، ومراجعة برامجها دوريا وفق فرص التوظيف وجودة التدريب. كما يمكن جمع قائمة سنوية بالمشكلات المحلية، وتوجيه مشروعات التخرج والأبحاث التطبيقية نحو معالجتها، مع تخصيص ساعات للإرشاد والتدريب المجتمعي ضمن أعباء أعضاء هيئة التدريس.

غير أن تحقيق ذلك يستلزم تمكين الكليات من تطوير برامجها وفق احتياجات محافظاتها، وإشراك ممثلي القطاعات الإنتاجية في اتخاذ القرار. وينبغي أن يتغير معيار النجاح، فلا يقتصر على أعداد المقبولين والخريجين، بل يشمل فرص العمل التي أتاحتها البرامج، ومدى استفادة المنشآت المحلية من خدمات الكلية، والمشكلات التي أسهمت في حلها.

الخلاصة: إن تحويل الكليات إلى مؤسسات تطبيقية خطوة صحيحة، لكنها تظل ناقصة ما لم تتحول الكلية من مبنى يقع في المحافظة إلى مؤسسة تعمل معها. فالقرب الجغرافي ميزة مهمة، أما القرب الحقيقي فيظهر حين تصبح برامج الكلية وخبراتها جزءا من حياة المحافظة واقتصادها، ويجد أهلها في وجودها فائدة ملموسة.