كانت لي الفرصة للاطلاع عن قرب على الجهود الكبيرة والجبارة التي يبذلها عدد من القطاعات الأمنية في هذا الوطن الغالي، فازداد يقيني بأننا ننعم بهذه النعمة العظيمة "الأمن والأمان والاستقرار"، بفضل من الله، ثم بالجهود المخلصة التي تبذلها كافة القطاعات الأمنية بوزارة الداخلية ورجالها البواسل، في ظل الدعم اللامحدود من قيادتنا الحكيمة - أيدها الله -، ومتابعة سمو وزير الداخلية، وما تحققه هذه القطاعات من منجزات نوعية في حماية الوطن وصون أمن المجتمعات.
وفي ظل هذا الانفجار المعرفي والتقني وأهمية التوعية الأمنية والرسالة التثقيفية وحرفية الأجيال الجديدة، لم يعد الوعي الأمني مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها، مع دورها الأصيل في قيادة الموقف والرسالة الأمنية، بل أصبح مسؤولية مجتمعية مشتركة؛ فبناء الوعي الأمني لدى الأبناء يستدعي الانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة المشاركة، ومن التعامل معهم بوصفهم فئة تحتاج إلى التوجيه المستمر، إلى النظر إليهم بوصفهم شركاء يمتلكون المعرفة والقدرة على الابتكار، متى ما وجدوا البيئة التي تحتضن أفكارهم وتشجعهم وتحفزهم وتوجه طاقاتهم، وإتاحة مساحات آمنة ومنظمة للمشاركة في التوعية والوقاية، تحت إشراف المختصين، وبما يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم، ويعزز لديهم الانتماء والمسؤولية والثقة.
ولعل من أهم الخطوات العملية إطلاق مبادرات وطنية مستدامة ضمن خطة استراتيجية تتيح للطلاب والطالبات المشاركة في إنتاج وصناعة المحتوى الأمني والتوعوي، عبر مقاطع قصيرة، وتصاميم إبداعية، ورسوم معلوماتية، وأعمال إعلامية مدرسية وجامعية، تتناول موضوعات متعددة، مثل: خطر المخدرات والوقاية منها، والسلامة الرقمية والوعي الفكري، ومكافحة الشائعات، والوقاية من الاحتيال الإلكتروني، والسلامة المرورية، والمحافظة على الطبيعة واتباع التعليمات البيئية، والاستجابة للمخاطر والطوارئ، والإبلاغ الأمني عن أي مهدد للمساهمة في حماية الأمن الوطني والمجتمعي، وتتحول هذه المبادرات إلى مسابقات دورية، بحيث لا تكون المشاركة شكلية أو موسمية، بل مساراً يكتشف المواهب، وينمي المهارات، ويمنح الأعمال المتميزة فرصة للوصول إلى الجمهور وانتشارها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية المختلفة.
إن التعلم بالأقران ومشاركة الشباب في صناعة الرسائل التوعوية بأساليب جذابة ومبتكرة يعززان تأثير الوعي واستدامته؛ إذ يتحول أبناؤنا من متلقين للرسالة إلى شركاء في صياغتها ونشرها، بلغة أقرب إلى جيلهم واهتماماتهم وواقعهم.
إن صناعة الوعي الأمني في زمن الانفجار المعرفي لا تتحقق بكثرة التحذيرات وحدها، بل ببناء الإنسان القادر على الفهم والتمييز واتخاذ القرار المسؤول، وأبناؤنا ليسوا خارج هذه المعادلة، بل هم في قلبها؛ يعرفون لغات المنصات، ويتابعون تحولات التقنية، ويمتلك كثير منهم مهارات إبداعية يمكن توظيفها في خدمة المجتمع متى ما وجدوا الثقة والتوجيه والفرصة، ومن الخطأ أن نطالبهم بالوعي ثم نحرمهم من المشاركة في صناعته، أو ندعوهم إلى تحمل المسؤولية دون أن نمنحهم الأدوات والمساحات التي تمكنهم منها.
وحين نمنح أبناءنا الثقة ونفتح أمامهم أبواب المشاركة المنضبطة، فإننا لا نبني وعيهم الأمني وحده، بل نؤسس لجيل يرى في حماية وطنه ومجتمعه مسؤولية مشتركة، ويؤمن بأن أمن الوطن لا تصنعه المؤسسات وحدها، بل يساندها مجتمع واعٍ، وأبناء يدركون أن لهم دوراً في حماية الحاضر وصناعة أمن المستقبل.
جهود أمنية جبارة.. وأبناؤنا يصنعون وعيهم الأمني
عمر العمري3 دقائق للقراءةحجم الخط
