الشيخ عاتق البلادي واللقاء الأخير
حسن عبدالعزيز مكاوي5 دقائق للقراءةحجم الخط
في رحاب مكة المكرمة، وبين أحيائها وحاراتها القديمة، برز رجال جعلوا من البحث في تاريخها وتراثها رسالة عاشوا من أجلها، فكرسوا أعمارهم للعلم والتوثيق، بعيدا عن الأضواء، تاركين بصمات راسخة في ذاكراتها، ومؤلفات ومراجع تثري المكتبة المكية، وتحفظ جانبا من تاريخها العريق.
وعلى امتداد ما يقارب خمسة وعشرين عاما من مسيرة موقع قبلة الدنيا، أتيحت لنا فرصة اللقاء بنخبة من هؤلاء المؤرخين والباحثين، فاقتربنا من تجاربهم، واستمعنا إلى رواياتهم وذكرياتهم، واستفدنا من علمهم، وسجلنا بعضا من مسيرتهم. ونعود اليوم إلى تلك اللقاءات لنستحضر سيرتهم، ونجدد الوفاء لهم، تقديرا لما بذلوه في خدمة تاريخ مكة المكرمة، واستذكارا لرجال غابوا عن دنيانا، وظل عطاؤهم حاضرا في صفحات التاريخ، لتبقى ذكراهم وما تركوه من إرث علمي وتاريخي محفوظا للأجيال القادمة.
في ضحى يوم الخميس 27 صفر 1431هـ، قمت برفقة الأستاذ حسن محمد شعيب والأستاذ غسان نويلاتي، ضمن فريق قبلة الدنيا، بزيارة مكتب المؤرخ المكي العصامي الشيخ عاتق بن غيث البلادي (رحمه الله)، في مقر دار مكة للنشر بساحة إسلام.
وقد حظينا باستقبال كريم من الشيخ، الذي رحب بنا بابتسامة وقورة، تعكس خبرته الطويلة بالتاريخ والحياة المكية، التي امتدت لأكثر من نصف قرن. وخلال اللقاء، استعرضنا أهداف موقع قبلة الدنيا، وجهوده في نشر الكتاب المكي والتعريف بتاريخ مكة المكرمة، إلى جانب تعزيز التواصل مع المؤرخين والمثقفين المكيين.
وقد أبدى الشيخ ترحيبه بالتعاون، واستعداده لتقديم ما يمكنه من دعم لخدمة تاريخ مكة وتراثها، فاتحا بذلك آفاق التعاون بين دار مكة للنشر وموقع قبلة الدنيا.
وقد عاصر الشيخ عاتق البلادي، المولود عام 1352هـ، مراحل مهمة من تاريخ مكة المكرمة، منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، مرورا بعهد من جاء بعده من ملوك البلاد. وقد تميزت تجربته في كتابة التاريخ بفلسفة خاصة، تقوم على استحضار نية خدمة مكة المكرمة، والإخلاص في تدوين تاريخها بعيدا عن الأغراض والمصالح الدنيوية، وأن يكون العمل خالصا لكل ما فيه خير هذا البلد الأمين.
وخلال حديثنا معه، أخبرنا الشيخ أنه ولد في البادية، ثم قدم إلى مكة المكرمة وهو في الثانية عشرة من عمره، حيث أتيحت له فرصة حضور دروس العلماء في المسجد الحرام، والنهل من علمهم. ومن بين العلماء الذين ذكرهم: السيد علوي المالكي، والشيخ حسن المشاط، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، والشيخ عبد المهيمن أبو السمح، والشيخ صالح الفلسطيني. وقد أسهمت تلك البيئة العلمية في تشكيل تجربته وارتباطه بتاريخ مكة المكرمة، الذي ظل محورا لاهتمامه وعطائه.
وكان الشيخ عاتق البلادي، رحمه الله، جم التواضع، بعيدا عن التعصب، وقد ضرب لنا مثالا بالإمام البخاري، الذي خلد الله ذكره بكتابه الصحيح، الذي يعد أصح الكتب بعد القرآن الكريم. وأشار إلى أن الإمام البخاري، على الرغم من كونه أعجميا، فقد أكرمه الله بالتقوى والعلم، فخلد ذكره في سير الصالحين والعلماء إلى يوم الدين.
كما كشف لنا الشيخ البلادي عن جوانب أدبية متعددة في شخصيته، فقد كان يمتلك موهبة في كتابة القصة والرواية ونظم الشعر، إلا أن انشغاله بالبحث والكتابة التاريخية حال دون تفرغه لهذه المجالات.
وأخبرنا كذلك عن سيرته الذاتية التي دونها في أكثر من ثلاثة مجلدات مخطوطة، تناول فيها مراحل حياته منذ الميلاد وحتى شيخوخته. وكان يجد أنسه بين الكتب والبحث، داخل مكتبته الخاصة العامرة بالمصادر التراثية والأدبية والتاريخية، ولا سيما ما يتصل منها بتاريخ مكة المكرمة، والتي تضم عددا من الكتب النادرة التي أصبحت اليوم من المراجع النفيسة.
وقد تجاوزت مؤلفات الشيخ عاتق البلادي الأربعين، تركز معظمها على تاريخ مكة المكرمة وتراثها وجغرافيتها. وهو مؤسس ومالك دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع، التي تأسست عام 1399هـ، واهتمت بنشر المؤلفات المعنية بتراث جزيرة العرب وتاريخها وجغرافيتها.
وقد أصدرت الدار عددا من مؤلفات الشيخ البلادي، من بينها: معجم معالم الحجاز، وعلى طريق الهجرة، ومعجم قبائل الحجاز، ونسب حرب، ومعالم مكة التاريخية والأثرية، وبين مكة وحضرموت.
كما أشرفت الدار على طباعة ونشر عدد من الكتب لمؤلفين آخرين، من أبرزها: تاريخ مكة لأحمد السباعي، وبلاد الحجاز في العهد الأموي لعائشة باقاسي، وعقود التأمين لأحمد محمد جمال، ومكة في القرن الرابع عشر لمحمد عمر رفيع.
وفي ختام اللقاء، تبادلنا الصور الفوتوغرافية مع الشيخ عاتق البلادي، رحمه الله. ولعل الصور التي التقطت خلال زيارتنا يوم الخميس 27 صفر 1431هـ، كانت آخر الصور التي التقطت له قبل وفاته، إذ انتقل إلى رحمة الله تعالى في 1 ربيع الأول 1431هـ، بعد أيام قليلة من تلك الزيارة. لتبقى هذه الصور ذكرى توثق لقاءنا الأخير به، وتحفظ جانبا من ذكرياتنا مع هذا المؤرخ المكي الذي كرس حياته لخدمة تاريخ مكة المكرمة وتراثها.
وقد أصدر الإعلامي الأستاذ أحمد بن محمد سالم الأحمدي عام 1433هـ كتابا بعنوان (عاتق بن غيث البلادي: العالم الموسوعي 1352-1431هـ)، يعد أول كتاب يتناول سيرة الشيخ عاتق البلادي ويترجم له، بوصفه أحد أبرز مؤرخي مكة المكرمة.
وقد اجتهد معد الكتاب في جمع ما كتب عن الشيخ البلادي في حياته وبعد وفاته، من مقالات ولقاءات تناولت سيرته وجهوده العلمية، وما حظي به من تكريم وتأبين، إلى جانب استعراض موجز لشعره، وإدراج مجموعة من الصور الفوتوغرافية له في أواخر حياته.
وبعد مرور 17 عاما على هذا اللقاء، نستعيد ذكرياته اليوم وفاء للشيخ عاتق البلادي، رحمه الله، وتقديرا لما قدمه من علم وجهد في خدمة تاريخ مكة المكرمة وتراثها، ووفاء لكل من أسهم في حفظ ذاكرتها. فقد عشنا في تلك الفترة وكأن تاريخ مكة، بحجرها وبشرها، في سباق مع الزمن؛ فما نكاد نفرغ من زيارة معلم تاريخي أو لقاء علم من أعلامها، حتى تمتد إليه يد الفناء، فلا يبقى منه إلا ما حفظته الذاكرة ووثقته الصور والكتب.
وقد علمتنا هذه التجربة أن توثيق تاريخ مكة المكرمة ليس ترفا ثقافيا، بل مسؤولية تجاه ماضيها وأجيالها القادمة؛ فما شهدناه من رحيل أعلامها واندثار بعض معالمها يؤكد أهمية المبادرة إلى توثيق ما تبقى من شواهدها المادية والإنسانية، وتسجيل ذكريات أهلها، قبل أن تطويها الأيام. ومن هنا، يواصل موقع قبلة الدنيا رسالته في التعريف بتاريخ مكة وتراثها، وحفظ معالمها وسير رجالاتها، إيمانا بأن ما نوثقه اليوم إرث للأجيال القادمة وأمانة ينبغي صونها.
وتظل شخصية الشيخ عاتق البلادي، ومؤلفاته، ومنهجه في تدوين تاريخ مكة المكرمة والجزيرة العربية، جديرة بدراسة مستقلة تتناول تجربته العلمية، وتبرز أثره وإسهاماته التاريخية. رحم الله الشيخ عاتق البلادي، وجزاه عن مكة المكرمة وأهلها خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم ومؤلفات في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته.
makkawicom@
