حين كانت صواريخ نظام صدام حسين تتجه نحو المملكة العربية السعودية، لم تكن الرياض تعيش حالة حرب بالمفهوم التقليدي، بل كانت تعيش مشهدا استثنائيا امتزجت فيه رهبة الخطر بحماسة الشباب وفضول جيل يتشكل وعيه وحماسه على وقع الأحداث.

ومع دوي أبواق الإنذار في أنحاء المدينة، كان بعض المراهقين والشبان يقودون سياراتهم نحو المواقع القريبة من مسارات الاعتراض، أملا في مشاهدة حدث غير مألوف، وصناعة ذكرى استثنائية لصاروخ يشق السماء وآخر يتصدى له قبل بلوغ هدفه.

لم يكن ذلك السلوك تعبيرا عن استخفاف بالخطر أو تقليلا من شأن التهديد، بقدر ما كان انعكاسا لطبيعة مرحلة مختلفة من الوعي والحماسة والظروف.

فالمدينة كانت أقل ازدحاما، والمعلومات أقل تدفقا، ووسائل التحذير والتوعية لا تصل بالسرعة والدقة اللتين نعرفهما اليوم.

لذلك كان الفضول يسبق أحيانا تقدير العواقب، وكانت الرغبة في مشاهدة الحدث تتقدم على إدراك حجم المخاطرة الكامنة فيه.

أما اليوم، فقد تبدلت الصورة بصورة كاملة. لم تتغير الرياض في عمرانها واتساعها فحسب، بل تغير معها سلوك المجتمع ودرجة وعيه.

ومع التهديدات الصاروخية وما استجد من الطائرات المسيرة، أصبح المواطن أكثر إدراكا لطبيعة الخطر وأشد التزاما بالتعليمات الوقائية.

وبمجرد وصول التنبيهات الفورية إلى الهواتف الذكية، يصبح البقاء في المواقع الآمنة والابتعاد عن مصادر الخطر سلوكا طبيعيا يعكس نضجا مجتمعيا ومسؤولية وطنية متقدمة.

ولم يكن هذا التحول نتيجة تطور التقنيات وحدها، بل ثمرة تطور وعي الإنسان نفسه.

فالمملكة تمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، ومعها ينمو وعي المجتمع وتتسع مداركه وتتجذر فيه ثقافة الانضباط واحترام التعليمات العامة.

ولم يعد التقدم يقاس بما تبنيه الدول من بنى تحتية ومدن حديثة ومنشآت متطورة فقط، بل بما تغرسه في مواطنيها من فهم ومسؤولية وقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة.

ومن هنا تبرز أهمية تحويل مثل هذه الأحداث من مادة للمشاهدة العابرة إلى مصدر للإلهام والمعرفة والانضباط.

فما تحتاجه الأوطان الناهضة في أوقات التحديات ليس مجرد المتفرجين على تطبيق الردع، بل المساهمين في صناعته.

والوطن بحاجة إلى شباب يتجهون نحو العلوم والتقنية والطب والدراسات العسكرية والبحث والابتكار، ليسهموا في تعزيز وطنهم وطموحاته ورؤيته وقدراته وحماية مكتسباته وصناعة مستقبله.

لقد تغيرت الصواريخ، والتقنيات، وتطورت الطائرات المسيرة، وتقدمت وسائل اكتشافها واعتراضها، وسيواصل العالم تغيراته بوتيرة متسارعة.

لكن ما سيبقى ثابتا هو حاجة الأوطان إلى أجيال تمتلك العقل والوعي والانضباط وروح المسؤولية.

لقد تحولت فرجة الأمس إلى شباب وعي وحرص يتجلى اليوم، ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على الأدوات وحدها، بل على الإنسان السعودي؛ ذلك الذي يصنع القوة كما يحسن توظيفها، ويشارك في حماية وطنه كما يشارك في بنائه، علما ومعرفة وانضباطا ووفاء للملك والوطن والثرى.