ليست كل خطوة نحو الخصم تراجعًا، وليست كل مواجهة انتصارًا. ففي السياسة، قد تخسر الدولة حربًا قبل أن تبدأها، حين تنشغل بإثبات قوتها وتغفل عن حساب ما ستدفعه، وأنها قد تحقق أكبر مكاسبها حين تمنع حربًا ستكون وبالًا على الجميع.
من هذه الزاوية، التي قد تبدو مفاجئة للبعض، يمكن قراءة التحرك السعودي نحو طهران، بقيادة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، وفي إطار الجهود المشتركة التي تضم المملكة وباكستان وتركيا ضمن اتفاقية مكة.
فالمنطقة تقف أمام احتمالات لا تُبقي ولا تذر، وأي خطأ في الحسابات قد يحول خلافات قائمة إلى مواجهة تتجاوز قدرة أطرافها على التحكم في نتائجها.
وهنا تظهر قيمة العقل والدبلوماسية؛ لا بوصفهما بديلًا عن القوة، بل وسيلة لحماية المنطقة والمصالح من الكلفة الباهظة لاستخدامها. فالدول الواثقة من قدرتها على الدفاع عن مصالحها هي الأكثر قدرة على منح السياسة فرصتها الأخيرة قبل الانزلاق إلى الصدام.
الرياض لا تفكر فيما سيقال، وأول ما تضعه في حسبانها أن الحرب لا ترحم أحداً.
واضطراب أمن الخليج ينعكس على الطاقة والتجارة والملاحة، وأي تهديد لمضيق هرمز أو باب المندب سيوسع دائرة الضرر لتشمل شعوباً ودولاً لا علاقة لها بأسباب الصراع. ولذلك فإن منع الحرب ليس خدمة لخصم، بل حماية للوطن ومصالحه، ولكامل المنطقة التي تتداخل فيها الأرزاق والأمن والمستقبل.
واجتماع المملكة وباكستان وتركيا ضمن إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، يحمل دلالة أخرى؛ أن التعاون الدفاعي لا ينبغي أن يفهم باعتباره استعدادًا للمواجهة وحدها، بل قدرة على معالجتها أيضًا.
فالدول التي تستعد لحماية أمنها لا تفقد حقها في الحوار، ولا تصبح مطالبة بإغلاق الأبواب أمام السياسة العاقلة.
بل إن الثقة بالقدرة على الدفاع تمنح القرار السياسي مساحة أوسع للحركة، بعيدًا عن الارتجال والخوف وضغط اللحظة.
والسعودية تدرك أن طريق التهدئة لا يُعبد بحسن النوايا وحدها؛ فالنجاح يتطلب التزامات واضحة، واحتراماً لسيادة الدول، ووقفاً للتهديدات، وأفعالاً تترجم الأقوال إلى واقع ملموس.
ومن دون ذلك، تبقى اللقاءات فرصًا تنتظر ما يثبت جدواها.
لهذا لا غرابة في أن تذهب الرياض إلى طهران رغم الخلافات والقطيعة.
فالدولة التي تجعل خصومتها قيدًا على حركتها تمنح الماضي سلطة على المستقبل، أما الدولة التي تعرف مصالحها جيدًا فتطرق الأبواب الممكنة، من دون أن تتخلى عن حقوقها أو تساوم على أمنها.
السياسة ليست أن تختار بين القوة والسلام، بل أن تمتلك من القوة ما يحميك، ومن الحكمة ما يجنبك دفع ثمن حرب كان بالإمكان تفاديها.
ويبقى الاختبار الحقيقي لهذا التحرك فيما ستقدمه طهران من أفعال، وما إذا كانت المنطقة ستجد في الحوار بدايةً لتغيير الواقع لا مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من التصعيد.
وفي هذا كله، تمضي المملكة وفق رؤية تنطلق من إدراك عميق لمصالحها ومسؤولياتها الإقليمية؛ فلا تهويل للأخطار ولا تقليل من شأنها، ولا اندفاع نحو المواجهة ولا تردد في الاستعداد لها.
إنها مقاربة تسعى إلى حماية الأمن، وصون الاستقرار، وفتح أبواب السلام كلما كان السلام ممكنًا، لأن كلفة البناء أقل دائمًا من كلفة الحروب، ولأن مستقبل المنطقة يستحق أن تُمنح الدبلوماسية فرصتها الكاملة قبل أن يتكلم السلاح.
الرياض في طهران.. بحثًا عن السلام
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
