امتداد التلاعب بالعقول في عصر الذكاء الاصطناعي: من الوعي المعلب إلى اللاوعي الموجَّه
عبدالله علي بانخر4 دقائق للقراءةحجم الخط
في عام 1973، أصدر عالم الاجتماع والناقد الإعلامي الأمريكي هربرت شيللر كتابه التنبؤي «المتلاعبون بالعقول» (The Mind Managers). ولم يلبث الفكر العربي أن التفت لأهمية هذا الطرح؛ إذ أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في أكتوبر 1999 (العدد 243) ترجمته الكاملة بصياغة المترجم عبد السلام رضوان. فتحت هذه الترجمة الأعين على كيفية اعتماد القوى المهيمنة على صناعة «وعي معلب» يمرر عبر التلفاز والصحافة بدلا من الإكراه العسكري.
اليوم، وفي ظل ثورة الذكاء الاصطناعي (AI)، تطورت الأدوات من تعليب الوعي الظاهر إلى هندسة «اللاوعي الموجَه»؛ حيث تتسلل الأنظمة الذكية إلى دوافعنا النفسية وغرائزنا لتحريكها عن بعد.
أسطورة «التعددية» في زمن الغرف المغلَقة
فكك شيللر «أسطورة التعددية الإعلامية»؛ حيث يعتقد الجمهور أن كثرة القنوات تعني تنوع الآراء، بينما هي تعيد إنتاج الخطاب ذاته.
حاليا، تحول الخداع إلى قنوات مخصصة تقودها الخوارزميات لتغذية انحيازات المستخدم لزيادة بقائه على المنصات، محاصرة إياه في غرف الصدى (Echo Chambers). ويتجلى هذا التلاعب في خوارزمية منصة «تيك توك» (TikTok) لشركتها المالكة «بايت دانس» (ByteDance)؛ إذ تتعلم أدق تفاصيل سلوك المستخدم في ثوانٍ، لتصنع له فقاعة رقمية تعزله فكريا وتعمق الاستقطاب الأيديولوجي لديه.
الحياد الزائف: من شاشة التلفاز إلى روبوتات الدردشة
هاجم شيللر «أسطورة الحياد والموضوعية»، مؤكدا أن وراء كل منتج إعلامي جهة مموِلة وأجندة خفية تخدم الوضع القائم.
تتجسد هذه الأسطورة اليوم في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ يتلقى المستخدمون إجابات الروبوتات كحقائق مطلقة، رغم أنها مدربة على بيانات بشرية تنضح بالانحيازات. وكشفت دراسة بحثية اختبرت نموذجي «جي بي تي-4» (GPT-4) ومساعد «كوبايلوت» (Copilot) في محاكاة التوظيف، عن انحيازات عرقية وجندرية صارمة. كما أثارت أداة «ستيبل ديفيوجن» (Stable Diffusion) جدلا لإعادتها إنتاج الصور النمطية بنسبة 98% عند طلب صور لمهنة «جراح». إن الذكاء الاصطناعي لا يفكر، بل يعكس انحيازات شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech).
صناعة الفردية الوهمية والتحكم في اللاوعي
تحدث شيللر عن «أسطورة الاختيار الشخصي»، وإيهام الفرد بأنه سيد قراراته بينما يتم توجيه رغباته عبر الثقافة الاستهلاكية.
الآن، تحول التوجيه إلى هندسة سلوكية تستهدف اللاوعي، فيحلل الذكاء الاصطناعي مخاوفنا ونبرة صوتنا وحركة أعيننا ليتنبأ بسلوكنا ويشكله. وتؤكد تقارير أبحاث التسويق في دول مثل تايلاند كيف تطوع الشركات أنظمة الذكاء الاصطناعي شديد التخصيص (Hyper-Personalized AI) لاختراق حواجز المستهلكين النفسية وتحريك قرارات الشراء لديهم. لم يعد التلاعب جماعيا، بل صار مفصلا على مقاس لاوعي كل فرد يدفعه لتبني موقف سياسي أو استهلاكي وهو يظنه قراره المستقل.
التزييف العميق:
موت الحقيقة
إذا كان التلاعب سابقا يعتمد على حجب المعلومات، فالذكاء الاصطناعي أحدث قفزة مرعبة عبر تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) بفبركة الفيديوهات والأصوات بجودة تعجز العين المجردة عن كشفها، مما يدمر مفهوم الحقيقة نفسه.
ولم تعد هذه التهديدات فرضية؛ بل رصدت مراكز الأمن الرقمي، مثل شركة «سيرف شارك» (Surfshark)، أن هذه التقنيات طالت الانتخابات في أكثر من 38 دولة، مؤثرة على 3.8 مليارات شخص. وشهدت الحملات الانتخابية الأمريكية استخداما رسميا لإعلانات التزييف العميق المضللة، مثل المواد التي نشرتها «اللجنة السناتورية الوطنية للحزب الجمهوري» (NRSC)، والمقاطع المزيفة التي استهدفت الرئيس بايدن، مما يجعل الجمهور عاجزا عن التمييز بين الواقع والوهم دون تمحيص دقيق وتطوير لآليات تحسين محركات البحث (SEO) لكشف التلاعب.
الوعي الذكي كبوابة
للتمكين الرقمي
لم يعد مجديا الهروب من التكنولوجيا أو اتخاذ موقف المقاومة السلبية، فالذكاء الاصطناعي لغة المستقبل. وبدلا من الاستسلام للسيطرة الخوارزمية، تكمن القوة في تبني ممارسات رقمية واعية تعيد إدارة عقولنا:
- تنويع مصادر التلقي عمدا: اكسر طوق غرف الصدى بالبحث النشط عن آراء تختلف مع توجهاتك لإجبار الخوارزمية على توسيع آفاق تغذيتك الرقمية.
- إبطاء ردود الفعل العاطفية: تجنب التفاعل الفوري بالإعجاب أو المشاركة مع المحتويات المثيرة للمشاعر، إذ تستغل الأنظمة هذه اللحظات لربطك بالمنصة واختراق لاوعيك.
- التحقق من المحتوى البصري: تعامل مع الوسائط المشكوك بها عبر أدوات البحث العكسي، واعتبر التشكيك الصحي خطوة أولى قبل تصديق المحتوى التوليدي.
- تنظيم استهلاك البيانات الشخصية: راجع إعدادات الخصوصية في التطبيقات، وقلل من صلاحيات تتبع الموقع والصوت للحد من بناء ملف سلوكي ضدك.
إن فهمنا لكيفية عمل هذه الأنظمة وتحويل هذه النصائح إلى سلوك يومي، يمنحنا القدرة على تحويل الأدوات الذكية من منصات لتوجيه لاوعينا إلى وسائل لتعزيز معرفتنا وتمكين خياراتنا الحرة.
