خرافة البترودولار.. خمسون عاما لاتفاق لم يُوقع
فيصل الشمري4 دقائق للقراءةحجم الخط
في يونيو 2024، أعلن بعضهم، بثقة لا يملكها المؤرخون، انتهاء «اتفاقية البترودولار» بين السعودية والولايات المتحدة بعد خمسين عاما. لم يكن الخبر مجرد خطأ عابر، بل رواية مكتملة: عقد سري، وموعد انتهاء، وقرار سعودي بعدم التجديد. المشكلة أن أحدا لم يبرز ذلك العقد، لأن السجل التاريخي لا يقدم دليلا على وجوده أصلا.
والأهم من تفنيد الشائعة أن نسأل: لماذا نختزل تاريخا معقدا من المصالح والتفاوض في اتفاق متخيل؟ ما حدث عام 1974 يكشف قصة أكثر أهمية للسعودية، وأقل ملاءمة للشعارات.
المسألة تتجاوز شائعة الكترونية. إنها تكشف كيف تتحول القراءة الأيديولوجية للتاريخ إلى يقين جماعي، ثم إلى مادة للتداول الصحفي والسياسي دون أن يطالب أحد بمستند.
وكان لبعض الأدبيات اليسارية العربية والغربية، إعلاميا وفكريا، دور في ترسيخ الصورة التي تغذت منها هذه الأسطورة، محاولة تغطية فشل الأنظمة اليسارية في إدارة دولها في الوطن العربي. فمن خلال تفسير العلاقة السعودية - الأمريكية حصرا بوصفها علاقة بترودولار، جرى اختزال قرارات اقتصادية معقدة في صفقة مفترضة: النفط مقابل حماية الدولار. لكن القفزة من وجود مصالح متبادلة إلى الادعاء بوجود عقد يلزم الرياض بالبيع بالدولار كانت قفزة بلا وثيقة. ومع كثرة التكرار، تحولت الرواية في قطاعات من الخطاب العربي إلى مسلمة سياسية، يتناقلها بعض الكتاب والمحللين كأنها حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش.
في الثامن من يونيو من ذلك العام، صدر في واشنطن بيان مشترك بين الأمير فهد بن عبدالعزيز في ذلك الوقت ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، أسست بموجبه اللجنة السعودية الأمريكية المشتركة للتعاون الاقتصادي. انشغلت اللجنة بالتنمية والصناعة والتعاون الفني، ولم تنشئ التزاما حصريا ببيع النفط بالدولار. أما اتفاق التعاون الفني، ومدته خمس سنوات، فجاء في فبراير 1975، ولم يكن عقدا نفطيا لخمسين عاما.
كانت الظروف استثنائية. بعد حرب أكتوبر 1973 والحظر النفطي الذي دعمت فيه السعودية مصر في حربها ضد إسرائيل، تضاعفت الأسعار أربع مرات، ووجدت المملكة نفسها أمام إيرادات تتسع بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد المحلي على استيعابها فورا. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تتعامل مع اضطراب اقتصادي وحاجة إلى جذب الأموال إلى أسواقها. لم يكن أحد الطرفين يقدم خدمة مجانية للآخر؛ كان كل منهما يبحث عن مصلحة واضحة.
في يوليو 1974، جاء وزير الخزانة الأمريكي ويليام سايمون إلى السعودية، حاملا خبرته في وول ستريت وسوق السندات. أرادت واشنطن استقطاب جزء من الفوائض النفطية، بينما أرادت الرياض أدوات استثمار آمنة وسائلة تحفظ مواردها وتتيح استخدامها عند الحاجة.
شراء سندات الخزانة لم يكن هبة للحكومة الأمريكية، بل استثمارا في أصل مالي له عائد ممتاز على الخزينة السعودية، ضمن خيارات دولة مسؤولة عن إدارة ثروتها. جل اقتصادات العالم تستثمر في السندات الحكومية الأمريكية بينها الصين واليابان ودول الاتحاد الأوروبي وغيرها.
لكن الحساب السعودي لم يكن اقتصاديا فقط. ففي أعقاب حرب أكتوبر، كانت الرياض تدرك الحساسية السياسية المرتبطة باستثمار أموالها في الدين الأمريكي، في وقت تواصل فيه واشنطن دعم إسرائيل.
والوثيقة الأكثر دلالة تعود إلى 12 ديسمبر 1974. تسجل برقية أمريكية من جدة مفاوضات أجراها وكيل وزارة الخزانة جاك بينيت مع محافظ مؤسسة النقد عبدالعزيز القريشي، بمشاركة نائبه خالد القصيبي. وتوصل الطرفان إلى ترتيب يسمح بشراء كميات إضافية من سندات الخزانة بسعر المزاد، عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، خارج العطاءات العلنية.
لكن الأهم ليس طريقة الشراء، بل كيفية اتخاذ القرار.
تذكر البرقية أن المحافظ تشاور هاتفيا مع الرياض قبل الموافقة، وفضل شراء الإصدارات العادية على سندات خاصة اقترحتها واشنطن، وشدد على السرية.
هذه ليست صورة دولة تتلقى التعليمات، بل دولة تفاوض وتحدد شروطها وتختار ما يناسب مصالحها. فالسرية المالية، في ذلك السياق، لم تكن بالضرورة علامة ضعف، بل وسيلة لحماية القرار الاستثماري من كلفة سياسية غير ضرورية.
وفي الأيام نفسها، كان وزير الخزانة البريطاني دينيس هيلي في الرياض، يسعى إلى اجتذاب الاستثمارات السعودية نحو لندن. وتزامنت زيارته مع قرار سعودي بجعل مدفوعات أرامكو من الضرائب بالدولار، بعدما كان جزء منها يدفع بالإسترليني. واضطرب سوق الجنيه عندما سارعت الشركة إلى بيع ما اشترته منه لتلك المدفوعات.
وهنا تكمن مفارقة تاريخية مهمة: فالبرقية الأمريكية نفسها وصفت قرار الدولار بأنه مفاجئ، ولم تقدم دليلا يحسم ارتباطه بمفاوضات السندات.
هل كان القرار منسقا مع واشنطن، أم إجراء سعوديا مستقلا تزامن معها؟ الوثائق المتاحة لا تسمح بالجزم. ومن يملأ هذا الفراغ باليقين لا يقرأ التاريخ، بل يعيد اختراعه.
وفي عام 1979، سجل مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي خلافا بشأن أسباب حجب بيانات بعض الدول النفطية، ونقل شهادات عن تعهدات بالسرية نفتها الخزانة الأمريكية. واستمر نشر الحيازات السعودية ضمن بيانات مجمعة لعقود، قبل إعلانها بصورة مستقلة في مايو 2016، عندما بلغ رصيد مارس المعلن 116.8 مليار دولار.
القصة الحقيقية إذن ليست اتفاقا أمريكيا فرض على السعودية عملة بعينها، ولا عقدا سعوديا ألغي بعد خمسين عاما. إنها قصة دولة أدارت فوائضها المالية في مرحلة دولية مضطربة، ووازنت بين العائد الاقتصادي والحساسية السياسية، وتفاوضت مع القوى الكبرى انطلاقا من مصالحها.
ولعل أخطر ما في أسطورة البترودولار أنها تحجب الدور السعودي الحقيقي، وكأن المملكة لم تكن سوى طرف في ترتيب صنعته واشنطن. بينما تكشف الوثائق أن الرياض امتلكت خياراتها، وفاوضت على شروطها، ولم تفصل إدارة ثروتها عن حساباتها السياسية.
لم تكن السعودية بحاجة إلى اتفاق يمنح الدولار قوته، ولم تكن بحاجة إلى إنهاء اتفاق متخيل لإثبات استقلال قرارها. فالسيادة لا تقاس بالعملة التي تستخدمها الدولة، بل بقدرتها على اختيار ما يخدم مصالحها.
وهذا هو الفارق بين تاريخ تصنعه الوثائق، وتاريخ تصنعه الشائعات.
