يقول خبير الإعلانات الشهير ديفيد أوجلفي: «إذا وظفنا من هم أقل منا كفاءة، أصبحنا مؤسسة من الأقزام، أما إذا وظفنا من هم أفضل منا، أصبحنا مؤسسة من العمالقة». غير أن المفارقة في بعض بيئات العمل تكمن في أن هناك من يفضل بناء مؤسسة من الأقزام، لا لندرة الكفاءات، بل خشية من حضورها، وتوجسا من تفوقها، واعتقادا بأن بقاءه في موقع القيادة مرهون ببقاء الآخرين دونه!

إن القيادة الحقيقية لا تقوم على احتكار الإنجاز، ولا تقاس ببريق الحضور الفردي، وإنما بقدرة القائد على صناعة بيئة عمل يتكامل فيها أصحاب الكفاءات، وتتحول فيها القدرات الفردية إلى نجاح مؤسسي مستدام. ولعل أول اختبار لنضج أي مسؤول يتمثل في قدرته على تأهيل أو اختيار مساعدين يمتلكون الشجاعة المهنية واستقلالية الرأي؛ فلا يكتفون بترديد ما يقوله، بل يثرون القرارات بالأفكار والبدائل والحلول.

وفي المقابل، ثمة نمط إداري يجد في حضور المتميزين تهديدا لمكانته؛ فيعمد إلى إقصائهم وتهميشهم، ويحيط نفسه بمساعدين محدودي المبادرة، يجيدون المجاملة أكثر مما يجيدون المصارحة، ويتقنون تأييد القرارات أكثر من مناقشتها. ويتوهم هذا النمط أن بقاءه في منصبه يستلزم ضعف من حوله؛ واهما أنه لكي يظل «الأذكى في الغرفة»، لا بد أن تخلو الغرفة من العقول الواعية.

ولعل هذا السلوك يستحضر ما أشار إليه الكاتب البريطاني سيريل باركنسون في تحليله للبيروقراطية الإدارية، حين لاحظ ميل بعض المسؤولين إلى الإكثار من المرؤوسين التابعين بدلا من الاستعانة بمن قد ينافسهم مهنيا؛ وهي مفارقة تكشف خللا في فهم القيادة؛ فحين يصبح هاجس المسؤول حماية مكانته بدلا من تطوير مؤسسته، فإنه قد يختار من لا ينافسه بدلا من اختيار من يكمله، ويفضل من يوافقه على من يصارحه، حتى وإن كان الثمن إضعاف الأداء المؤسسي.

والأخطر من ذلك أن يتحول هذا الهاجس إلى ثقافة مؤسسية عامة تعيد تشكيل المنظمة على مقاس مخاوف رئيسها؛ فتكافأ المجاملة على حساب الجدارة، ويصبح الاختلاف مدعاة للتهميش. وحينئذٍ تفقد المنظمة جهاز مناعتها وقدرتها على تصحيح مسارها؛ إذ يصبح الصمت أمانا للموظف، ويحرم القائد من الرأي الموضوعي الذي يكشف القصور قبل وقوع الخطأ؛ فليس أشد خطرا على المؤسسة من قائد يحاط بمن يخبرونه بما يحب سماعه، لا بما ينبغي له معرفته.

وفي هذا السياق، تتجلى حكمة الراحل الدكتور غازي القصيبي في عبارته البليغة حين قال: «اختيار المساعدين الأكفاء نصف المشكلة، والنصف الآخر هو القدرة على التعامل معهم». فاستقطاب الكفاءات يظل بلا قيمة إن كانت أفكارهم تهمش، ومبادراتهم تقيد، وآراؤهم لا تجد طريقها إلى طاولة القرار.

ومن المهم هنا التأكيد أن قوة شخصية المرؤوس لا تعني التمرد على رئيسه، أو مجادلته لمجرد الاختلاف، بل تعني امتلاك الشجاعة في تشخيص المشكلات وتقديم الحلول، مع الالتزام التام بالقرار المؤسسي بعد اعتماده؛ فالمساعد الناجح ليس من يعارض دائما ولا من يوافق دائما، بل من يضع مصلحة العمل فوق اعتبارات القبول الشخصي.

فالقيادة ليست أن تكون الأقوى بين الضعفاء، ولا الأذكى بين من يخشون مخالفتك، بل أن تمتلك النضج الذي يجعلك قادرا على قيادة الأكفاء والاعتزاز بتفوقهم كدليل على حسن إدارتك وصناعتك لصف قيادي ثانٍ.

وحين يكون السؤال الذي يشغل المسؤول: «كيف أحافظ على بريق منصبي وسط فريقي؟»، فإنه يكون قد بدأ في تقديم ذاته على مؤسسته. أما السؤال الذي يصنع الفرق فهو: «كيف أبني فريقا يمتلك من الكفاءة ما يقود المؤسسة إلى آفاق أرحب من النجاح؟».

فالمدير الناجح لا يخشى أن يكون بين العمالقة، بل يخشى أن تبقى مؤسسته صغيرة لأنه أراد أن يظل كبيرا وحده.