بلغ الجهل من التطور مبلغا يستحق معه أن تكون له هندسة خاصة؛ فقد تجاوز مرحلة العجز عن المعرفة إلى القدرة على تعطيلها، وأصبح في وسع بعضهم أن يصنع من نصف معلومة حقيقة كاملة، ومن شائعة عابرة رأيا عاما، ومن شك سخيف قضية تستحق البحث والمناقشة. والأعجب أن هذه الصناعة تحتاج أحيانا إلى قدر كبير من الذكاء؛ فالمهندس الناجح للجهل يعرف أي الحقائق ينبغي إخفاؤها، وأي الأسئلة ينبغي إثارتها، ومتى يستدعي خبيرا ليشرح للناس أن ما يعرفونه يحتاج إلى مزيد من التحقق. وإذا أحكمت العملية، خرج الجمهور مشغولا بالتشكيك في الحقيقة، مطمئنا إلى الأكاذيب التي لم يكلف أحد نفسه عناء إثباتها.

وقد وجد هذا النشاط من يدرسه علميا؛ إذ أسهم المؤرخ الأمريكي روبرت بروكتور في بلورة مفهوم (Agnotology)، أو ما يعرف بعلم الجهل، الذي يدرس كيف ينشأ الجهل وينتج ويستمر. وفي عام 2008، شارك الباحثة لوندا شيبنغر في تحرير كتاب (علم الجهل: صناعة الجهل وتفكيكه)، الذي تناول صورا من إنتاج الجهل عمدا، ومن أشهر الأمثلة على ذلك جهود شركات التبغ لإثارة الشك في الأدلة العلمية المتعلقة بأضرار التدخين، فقد أدركت تلك الشركات أن إقناع الناس بسلامة التدخين مهمة شاقة، وأن التشكيك في الأدلة على ضرره قد يحقق الغرض بتكلفة أقل، وهنا تتجلى عبقرية هذه الصناعة؛ إذ يستطيع المرء أن يوظف البحث العلمي ليقنع الجمهور بأن الوقت لم يحن بعد للثقة بنتائجه!

وقد بلغت أساليب التشكيك من البراعة أن أصبح لبعض الادعاءات مظهر علمي يفوق ما تمتلكه من علم. يكفي تقرير أنيق، ومصطلحات معقدة، ومتحدث يجيد العبوس أمام الأسئلة، حتى يكتسب الكلام هيبة المعرفة، وإذا طالبه أحد بمصدر، أجابه بأن المسألة أكبر من مرجع واحد، وأن فهمها يتطلب اطلاعا واسعا. وقد ينتهي المجلس باعتذار السائل عن جهله، بينما يغادر صاحب الادعاء معتزا بأنه استطاع الدفاع عن دراسة لم يقرأها، وربما لم تكن موجودة أصلا.

أما في حياتنا الاجتماعية، فقد ازدهرت لهذه الصناعة فروع شعبية تعمل بموارد محدودة وكفاءة مذهلة. تبدأ الحكاية بعبارة (سمعت أن...)، ثم تصبح (يقولون إن...)، وبعد تداولها قليلا تتحول إلى (الجميع يعرف أن...). وفي أثناء رحلتها تكتسب شهودا وتواريخ وتفاصيل، حتى تعود إلى صاحبها الأول وقد بلغت من الإتقان ما يجعله يصدقها، ويستشهد بتعدد مصادرها، دون أن يدرك أن جميع الطرق تؤدي إلى لسانه.

ولكل حكاية ناجحة حارس يتولى حمايتها من الأدلة، فإذا ظهرت وثيقة تناقضها، شكك في مصدرها؛ وإذا ثبت المصدر، اعترض على توقيت نشرها؛ وإذا اتضحت الظروف، تحدث عن أبعاد خفية لا يدركها عامة الناس، والمثير للإعجاب أن الرجل الذي صدق الإشاعة دون سؤال واحد، يستطيع إخضاع الحقيقة لتحقيق يستمر سنوات، ولعله لو استخدم نصف هذه الدقة قبل تصديق الخبر، لفقد مكانته بين خبراء المجالس.

ومع تكرار هذه الممارسات، يصبح للجهل نفوذ اجتماعي تصعب منافسته. فصاحب الإجابة القاطعة يحظى بالإعجاب، ومن يعترف بحدود معرفته يبدو قليل الخبرة، وقد يجلس متخصص أمضى عشرين عاما في البحث إلى جوار رجل قرأ عنوانا عابرا، فيجد الأول نفسه مطالبا بإثبات معلوماته، بينما يتولى الثاني تصحيحها بثقة، وإذا ضاق المتخصص بهذا المشهد، اتّهم بالتعالي الأكاديمي، وخرج الجمهور مقتنعا بأن الشهادات وحدها لا تصنع المعرفة، خصوصا إذا كان صاحب الشهادة حاضرا ليسمع هذا الاكتشاف.

وتبلغ هندسة الجهل أخطر مراحلها حين تتجاوز صناعة الأخبار إلى صناعة المعايير التي يحكم بها الناس عليها، عندئذ يصبح الخبر الموافق للأهواء موثوقا بطبيعته، ويغدو الدليل المخالف مثيرا للريبة، ويكتشف صاحب الحقيقة أنه مطالب بإثباتها مرة بعد أخرى، بينما يعفى صاحب الوهم من تقديم أي برهان، تقديرا لما يتمتع به من ثقة وحسن حضور.

أما الإنجاز الأكبر لمهندسي الجهل، فيتحقق حين يتوقفون عن العمل دون أن يتوقف أثرهم، فقد أصبح لديهم جمهور يتولى الدفاع عن منتجاتهم، ويهاجم من يشكك فيها، ويعدّ تصحيحها اعتداء على قناعاته. وعند هذه المرحلة يستحق مهندسو الجهل التهنئة؛ فقد نجحوا في صناعة منتج يدافع عن نفسه، وجمهور يتولى ترويجه مجانا، حتى غدا كشف الحقيقة عنده أخطر من اختراع الأكاذيب.