ليست البيوتُ جدراناً تُشيَّد، ولا أسقفاً تُرفع، ولا أبواباً تُفتح وتُغلق، إنما هي ذاكرةُ الأيام، ومستودعُ الحكايات، وحاضنةُ المودة التي تبقى حيةً في الوجدان مهما امتدّ الزمن وتبدلت معالم المكان.. ومن بين صفحات الذاكرة المكية العزيزة، يطلّ علينا بيتُ عمي السيد عبدالله بن علي الجفري -رحمه الله- في حوش بن لادن بحي المنصور في مكة المكرمة، شاهداً على زمنٍ مضى، وباقياً في الوجدان بما اختزنه من ذكرياتٍ جميلة، وما احتضنه من أواصر القربى، وما شهدته أروقته من حكايات الكفاح والعلم والنجاح..
كان ذلك البيت في زمنٍ لم تكن فيه ملامح العمران الحديث قد امتدت إلى ما حوله، قائماً في موضعه منفرداً لا يكاد يجاوره بناءٌ آخر وكأنه يستأثر بفسحة المكان وسكونه.. فإذا أرخى الليل سدوله، وأطبق الظلام على أرجاء البقعة، وغابت معالم ما حولها عن الأنظار، ظلّت أنوار ذلك المنزل تتلألأ في العتمة فتشدّ إليها الأبصار، وتمنح المكان أُنساً في وحشته، وحياةً في سكونه.. وكان مشهد تلك الأنوار في بساطته وبهائه صورةً لا تزال الذاكرة تستحضرها كلما عادت بنا الأيام إلى ذلك الزمن الجميل، حتى غدا البيت في وجدان من عرفوه منارةً مضيئةً في محيطه، وعلامةً لا تخطئها ذاكرة المكان..
غير أن قيمة ذلك البيت لم تكن في موقعه، ولا في أنواره التي كانت تبدد ظلمة الليل فحسب، بل في دفء الحياة التي كانت تدبّ في أرجائه، وفي القلوب التي اعتادت أن تألفه، والأرواح التي كانت تجد في رحابه متسعاً للقاء وصلة الرحم وتجديد أواصر المحبة.. رغم أنه كان بيتاً وحيداً في ذلك الحوش، بسيطاً في مساحته، لكنه فسيحٌ بقلوب أهله، رحبٌ بصدورهم، تشرع أبوابه للمحبين والقاصدين..
ولا تكتمل حكاية هذا البيت دون الإشارة إلى دور الوالد السيد عبدالله الجفري، الذي كافح في طلب الرزق، وتحمل أعباء الحياة لتوفير احتياجات أبنائه، وتهيئة سبل تعليمهم ومستقبلهم.. وإلى جانبه كانت والدتهم الشريفة رقية فدعق تغرس في نفوسهم الفضائل ومكارم الأخلاق والقيم الإسلامية، وتضرب أروع الأمثلة في حسن استقبال الضيوف والترحيب بهم وكرم المعاملة.. وهكذا اجتمع عطاء الأب وكفاحه مع تربية الأم وفضائلها، لتكون هذه الأسرة ثمرةً لقيم أصيلة وجهود مخلصة..
فكانت بساطة المكان تعوّضها رحابة النفوس، وكان دفء أهله يمنح البيت من السعة والأُنس ما لا تمنحه القصور.. حافلاً بالأقارب، مفتوحاً للقاءات التي تجمع الأهل وتجدد وشائج القربى..
وما زلت أستعيد كلما مرّت بي صور الماضي تلك اللحظات التي كنا فيها صغاراً نتشوّق إلى زيارته، وتسبق أفراحنا خطواتنا إليه، فما إن نصل حتى تنطلق طفولتنا في فضائه الرحب، ونمضي في أرجائه لهواً ومرحاً، وكأن الدنيا يومئذٍ لا تضيق بأحلامنا، ولا تحدّ من انطلاقنا حدود.. كان المكان في أعيننا أوسع من مساحته، وكانت فسحته تمتد بامتداد خيالنا، وتمنحنا من البهجة ما يجعل ساعات اللقاء أقصر من أن تروي ظمأ الشوق.. هناك في تلك المساحة التي احتضنت ضحكاتنا وخطواتنا الصغيرة، تشكّلت ذكريات لا يطويها تعاقب السنين، ولا تمحوها تحولات العمران؛ لأن الأماكن التي تسكن القلب لا تغادره وإن غابت عن العين، ولأن طفولة الإنسان تظلّ وطناً داخلياً يعود إليه كلما أثقلته الأيام..
ولم يكن ذلك البيت بما حمله من حميمية الأسرة ودفء اللقاء بعيداً عن مشقة الحياة وتقلباتها، فقد عانى أهله صعوبة الحياة، وواجهوا ما تفرضه الظروف من تحديات، غير أن ضيق الحال لم يضق بطموحاتهم، ولم تكن قسوة البدايات حائلاً دون بلوغ الغايات.. فمن ذلك البيت خرجت قاماتٌ علمية وتربوية وإدارية وقيادية شقّت طريقها بالصبر والمثابرة، وجعلت من العلم سبيلاً للارتقاء، ومن العمل المخلص طريقاً إلى الإنجاز، لتبرهن سيرتهم على أن عظمة الإنسان لا تصنعها سهولة الظروف وإنما تصنعها عزيمته حين يواجهها، وإرادته حين يصرّ على تجاوزها..
وفي مقدمة تلك المسيرة يبرز المربي الفاضل الأستاذ السيد محمد الذي أمضى جانباً من حياته في ميدان التعليم معلماً ومحاضراً في كلية المعلمين بمكة المكرمة، ومن ثم في جدة مؤدياً رسالته في بناء العقول وتنشئة الأجيال.. وعلى الدرب ذاته سار أخوه الفقيد السيد بكر -رحمه الله- الذي جمع بين العمل معلماً ومشرفاً تربوياً وتولى رئاسة قسم التربية الرياضية بالإدارة العامة للتعليم بمكة المكرمة، إلى جانب عطائه أميناً عاماً لنادي الوحدة الرياضي بمكة، جامعاً بين المسؤولية والعطاء..
وامتدت مسيرة الأسرة إلى مجالات أخرى، فبرز السيد ياسين في موقعه مسؤولاً رفيعاً بالخطوط السعودية، وتولى أخوه الدكتور عمر منصباً مرموقاً فكان مساعداً تنفيذياً لمدير عام الخطوط السعودية للخدمات المشتركة سابقاً، وكبير مستشاري وزير النقل ورئيس مجلس إدارة "شركة سيتا العالمية" (SITA) لتكنولوجيا معلومات النقل الجوي، وقبل ذلك أستاذاً بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فيما ترك الأستاذ الدكتور علي بصمته في المجال الأكاديمي من خلال توليه عمادة كلية التربية بجامعة جدة سابقاً.. وهكذا تنوعت ميادين العمل، واختلفت مواقع المسؤولية، لكن الخيط الذي جمع هذه المسارات ظلّ واحداً: الجِدُّ في السعي، والحرص على المعرفة، والارتقاء بالقدرات، وتحويل الفرص إلى إنجازات..
ولم تكن نساء الأسرة بمعزل عن هذه المسيرة؛ فقد كان للسيدة نعمة، والسيدة بهية، والسيدة شفاء، والسيدة سعاد، نصيبهنّ من التعليم والمعرفة، ومكانتهنّ في ميدان التعليم حيث أسهمن في تنشئة الأجيال، وأدّين رسالتهنّ التربوية بما يستحق التقدير والاعتزاز، ويصبحن مربيات فاضلات لهن عظيم الأثر، لتظل حكاية ذلك المنزل رمزاً خالداً للتحدي والنجاح وصناعة الأمل من رحم المعاناة..
وبذلك تكتمل صورة الأسرة التي لم يكن عطاؤها حكراً على الرجال، بل امتد إلى نسائها، فكان لكلٍّ منهم نصيب في صناعة أثرٍ يبقى، وفي بناء حياةٍ تتجاوز حدود الذات إلى خدمة الآخرين..
ولعلّ المقام لا يتسع لبسط الحديث عن سِيَر هؤلاء الشخصيات، ولا للإحاطة بما قدّمه كلّ واحدٍ منهم في ميادين عمله ومسيرة حياته، فلكلّ واحدٍ منهم حكاية كفاح تستحق أن تُروى، وتجربة ثرية جديرة بأن تُدوَّن، وآثارٌ تستحق أن تُستعاد وتُوثَّق.. وإنّ الحديث عنهم جميعاً لا تفيه هذه السطور حقّه، بل إنّ سيرة كلّ واحدٍ منهم جديرة بأن تُفرد لها صفحات مستقلة، توثّق مسيرته، وتكشف عن مواقفه وإنجازاته، وتحفظ للأجيال القادمة صفحاتٍ مضيئة من تاريخ هذه الأسرة العريقة..
واليوم حين نستعيد حكاية بيت الجفري في المنصور فإننا لا نسترجع صورة منزلٍ كان قائماً في حوش بن لادن فحسب، ولا نكتفي باستحضار أضوائه التي كانت تشقّ عتمة الليل، بل نستعيد زمناً كانت فيه البيوت ملتقى القلوب، وكانت صلة الرحم جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة، وكانت فسحات المكان مسارح لطفولةٍ بريئة، ومجالس الأسرة مدارس للقيم والمودة والانتماء.. نستعيد وجوهاً ألفناها، وأصواتاً لا تزال أصداؤها تتردد في الذاكرة، وخطواتٍ صغيرةً كبرت مع الأيام ثم مضت تحمل معها ما غرسه البيت في النفوس من معانٍ وذكرياتٍ..
لقد تتغير معالم الأحياء، وتتبدل ملامح المدن، وتختفي من المشهد بيوتٌ كانت يوماً عامرةً بأهلها وأحبابها، لكن ما تتركه تلك البيوت في حياة الناس لا يختفي برحيلها، ولا يُمحى بتغير المكان.. فالأثر الحقيقي ليس في الحجارة التي تبقى أو تزول بل في القيم التي تستقرّ في النفوس، والروابط التي تصمد أمام الزمن، والإنجازات التي تحمل أسماء أصحابها إلى ذاكرة الأجيال..
وهكذا يظلّ بيت الجفري في المنصور حاضراً في وجداننا، بيتاً جمع بين بساطة المكان وثراء الذاكرة، وبين مشقة البدايات ورحابة الطموح، وبين دفء الأمس وما أثمرته مسيرة أبنائه وبناته من علمٍ وعملٍ وعطاءٍ.. وإذا كانت أنواره قد بددت ظلام المكان في زمنٍ مضى، فإن سير أهله تظل اليوم ضوءاً آخر لا تحدّه جغرافيا، ولا تطفئه السنون؛ لأن البيوت التي تصنع الذكريات الجميلة، وتحتضن مسيرات الكفاح والنجاح لا تنتهي حكاياتها بانتهاء وجودها، بل تظل حيةً ما بقي في القلوب وفاء، وفي الذاكرة حنين، وفي الأجيال اعتزازٌ بالجذور..
بيت الجفري في المنصور.. منارة حوش بن لادن
عمر حسين الجفري6 دقائق للقراءةحجم الخط
