أتذكر عندما كنت طالبا في مرحلة البكالوريوس في قسم التخطيط العمراني كنا نعمل في مجموعات مكونة من خمسة طلاب لمعالجة قضية عمرانية. كان أحد طلاب المجموعة لا يعمل بشكل جدي معنا وعندما نطالبه بالمشاركة يردد دوما «المهم الأفكار.. وأنا صاحب فكر وأنتم مجرد رسامين». على الرغم أن كلامه كان مصدر إغاظة واستفزاز لنا؛ إلا أنه يمثل جزءا كبيرا من حقيقة التخطيط العمراني باعتباره عملا سياساتيا. قضية رسم المخطط تكون في آخر المشروع لكننا نهتم أولا بالتحليل وصياغة المشكلة وتحديد الأولويات والمفاضلة بين المصالح ثم رسم الخطة التي تقود إلى النتيجة.

المخطط النهائي ليس مجرد مجموعة من الخطوط والألوان؛ بل يكتسب قيمته من الأهداف والسياسات العمرانية. بعبارة أخرى، إنه ترجمة حقيقية للسياسات الحضرية العادلة؛ وإذا لم يكن كذلك فهو مجرد حبر وألوان لا قيمة لها. صحيح، قد يكون المخطط النهائي ناجحا في المعايير الهندسية لكنه قد يكون فاشلا في تحقيق أهداف المدينة.

التخطيط العمراني يسعى للإجابة عن تساؤلات في غاية الأهمية مثل: لماذا نخطط؟ وكيف نحقق عوائد تنعكس إيجابا على المجتمع؟ يتفاعل التخطيط العمراني مع ثلاث قوى رئيسة وهي:

أولا: قوى السوق التي تسعى لتعظيم العوائد الاقتصادية. لذلك، يسعى التخطيط العمراني لعدم هيمنة قوى السوق على القرار التخطيطي وصولا للمصلحة العامة. إن الخضوع المجرد للسوق يؤثر على الفئات المستضعفة؛ وهكذا فالتخطيط العمراني يسعى لتحقيق العدالة التوزيعية للخدمات والموارد والفرص، والعدالة الإجرائية التي تضمن للسكان المشاركة الفاعلة في صناعة القرار والشفافية والوصول إلى المعلومات، وعدالة الاعتراف التي تؤمن بالاختلافات الثقافية، والاجتماعية لتبني أنماطا عمرانية متعددة عوضا عن النموذج الموحد وتستجيب للاحتياجات كافة. وعلى ذلك، تتحول قوى السوق إلى شريك يخدم أهداف السياسات الحضرية من خلال التشريعات العمرانية والأدوات القانونية والاقتصادية. كما يؤكد التخطيط العمراني على قيادة رأس المال بدلا من أن ينقاد وراءها، ويحمي الاستثمار بتوازن يلبي احتياجات سكان المدينة ويحافظ على كفاءتها.

ثانيا: المجتمع الذي يريد أن يعيش بجودة حياة بعدالة. يحاول التخطيط العمراني حماية المجتمع عن طريق الفصل بين الاستعمالات المتعارضة وتوزيع المناطق الصناعية أو المزعجة أو الملوثة بعيدا عن الأحياء السكنية. ويحافظ على مبدأ «الحق في المدينة» ويضمن بقاء الفضاءات العامة مجانية ومتاحة للجميع. ويلزم المطورين العقاريين بتخصيص جزء من مشاريعهم للإسكان الميسر حفاظا على الاستقرار الاجتماعي ومنع التشرد. يؤكد التخطيط العمراني على الحفاظ على القيم الثقافية، والتراث العمراني، والتماسك الاجتماعي، وحماية الموارد الطبيعية في إطار الاستدامة.

ثالثا: الدولة، وتتمثل بالجهاز التخطيطي الذي يسعى لتحقيق الصالح العام. فالمدينة المستدامة تؤكد على التوازن ووضع الأطر القانونية التي تحمي أصحاب المصلحة. الإشكالية عندما تتحول عملية إنتاج المخططات من وسيلة إلى غاية بحد ذاتها، ليصبح نجاح التخطيط العمراني مرهونا بنسب استعمالات الأراضي، وعروض الشوارع، وعدد التقاطعات، ونمط التخطيط. بينما لا يجيب هذا المخطط عن أسئلة تتمحور حولها السياسات الحضرية مثل العدالة في توزيع الخدمات، وتكاليف السكن، وكيف نحمي الفئات الأقل حظا؟ مجرد خطوط وتقسيمات أراض لا تحمل وراءها تفسيرا لأسعار الأراضي والأسر القادرة على السكن، ومستويات الوصولية، والقاعدة الاقتصادية، وفرص العمل.

والأدهى من ذلك عندما يتحول المخطط العمراني إلى أداة خاضعة لقوى السوق ليقاس نجاحه بالربحية، وهكذا نتحول من تخطيط مستدام للمدن إلى استثمار مجرد خاضع لمتطلبات السوق يقود في النهاية إلى إقصاء حضري.