حاضرة الدمام كمثال لإدارة المدن المليونية
عدنان عبدالله الشيحة4 دقائق للقراءةحجم الخط
تُعد إدارة المدن أحد المكونات الأساسية للإدارة المحلية، وترتكز على اللامركزية التي تقوم على منح الوحدات المحلية الصلاحيات الإدارية والمالية اللازمة لاتخاذ القرارات التي تستجيب لاحتياجات السكان وتطلعاتهم. وتتباين نماذج الإدارة المحلية بين الدول تبعا لظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فضلا عن متغيراتها السكانية والتقنية والحضرية؛ لذلك لا يوجد نموذج موحد يصلح لجميع الدول والمدن، وإنما تتحدد فاعلية كل نموذج بمدى ملاءمته لخصوصية البيئة التي يعمل فيها.
وينعكس هذا التباين على مفهوم البلدية واختصاصاتها. ففي بعض الدول، تمثل البلدية وحدة الإدارة المحلية المسؤولة عن معظم شؤون المدينة، بما يشمل التخطيط والصحة والشرطة والمرور وغيرها من القطاعات. وفي دول أخرى، ومنها المملكة العربية السعودية، تتركز أدوار البلديات بدرجة كبيرة في الخدمات البلدية التقليدية، مثل جمع النفايات وإنارة الشوارع وصيانتها وتنسيق الحدائق العامة. ويثير هذا التباين تساؤلا مهما حول مدى كفاية الاختصاصات البلدية القائمة لإدارة المدن المليونية التي تتسم باتساع نطاقها الجغرافي وتعدد احتياجات سكانها وتعقد تحدياتها الحضرية.
وتتضح أهمية هذا التساؤل عند النظر إلى المدن الكبرى في المملكة، ولا سيما عواصم المناطق التي تتولى إدارتها أمانات ذات نطاق إقليمي. فهذه المدن، التي يتراوح عدد سكان بعضها بين ثلاثة وثمانية ملايين نسمة، وتمتد على مساحات جغرافية واسعة قد تتجاوز مئة كيلومتر، تضم مناطق وأحياء تتفاوت في خصائصها الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. ويترتب على هذا التفاوت تنوع الاحتياجات والخدمات والتحديات، بما يستدعي وجود وحدات إدارية تتمتع بصلاحيات فعلية تمكنها من إدارة شؤون مناطقها والاستجابة لمتطلباتها بكفاءة.
ومن المفارقات أن بعض البلديات الصغيرة، التي يقل عدد سكان بعضها عن 25 ألف نسمة، تتمتع باستقلالية إدارية وميزانيات مخصصة، في حين تدار مناطق واسعة داخل المدن المليونية ضمن هياكل تنظيمية تتطلب مراجعة مدى قدرتها على تحقيق الاستجابة المحلية المنشودة. وتكشف هذه المقارنة عن أهمية إعادة النظر في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، بحيث تتناسب مع حجم المدينة وتنوع احتياجاتها، وتحقق التوازن بين وحدة التوجه الاستراتيجي ومرونة التنفيذ على المستوى المحلي.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة أمانة منطقة الرياض في إعادة تنظيم منظومتها البلدية، من خلال إلغاء البلديات الفرعية الست عشرة واستبدالها بخمسة قطاعات تشغيلية لامركزية تتولى كامل العمليات التشغيلية ضمن نطاقاتها الجغرافية. وتمثل هذه الخطوة توجها نحو تعزيز اللامركزية التشغيلية، وتقريب إدارة الخدمات من المستفيدين، وتحديد المسؤولية عن الأداء على مستوى النطاق المكاني. وهي مبادرة تستحق الإشارة إلى دور أمين منطقة الرياض، الأمير الدكتور فيصل بن عياف، في توظيف مفاهيم الإدارة الحضرية والتخطيط في تطوير التنظيم المؤسسي وتطبيقها عمليا.
أما حاضرة الدمام، فتقدم تجربة تستحق الدراسة من زاوية أخرى، تتمثل في تعدد البلديات التي تتكون منها الحاضرة، مع تمتع كل بلدية بإدارة وميزانية مستقلتين. وعلى الرغم من أن هذه البلديات نشأت تاريخيا في مدن ومراكز عمرانية مستقلة، فإن تنظيمها المؤسسي يتيح الاستفادة من مزايا اللامركزية في إدارة حاضرة حضرية كبرى تتداخل فيها المصالح والأنشطة والحركة اليومية للسكان.
وتكمن القيمة الإدارية لهذه التجربة في إمكانية الجمع بين استقلالية البلديات في إدارة شؤونها المحلية وبين التنسيق على مستوى الحاضرة بأكملها. فلكل بلدية أولوياتها واحتياجاتها ورؤيتها للتطوير، بينما تقتضي الطبيعة المترابطة للحاضرة وجود إطار مشترك للتعامل مع القضايا التي تتجاوز الحدود الإدارية لكل بلدية، مثل حركة المرور، وشبكات الطرق، والتوسع العمراني، وتكامل الخدمات والمرافق العامة. وبهذا المعنى، يمكن أن تشكل اللامركزية أساسا للتنافسية والتطوير المحلي، فيما يضمن التنسيق المؤسسي تكامل الجهود وتوجيهها نحو مصالح الحاضرة ككل.
ومن الطبيعي أن تتفاوت مستويات الخدمات والمشروعات بين البلديات، تبعا لاختلاف قدراتها الإدارية والمالية، وحجم المدن التي تديرها، وطبيعة تحدياتها العمرانية والسكانية. ويتيح هذا التفاوت مجالا للمقارنة وتبادل الخبرات وتحديد الممارسات الأكثر فاعلية، بما يدعم التطوير المستمر ويرفع كفاءة الأداء البلدي.
وتقودنا تجربة حاضرة الدمام إلى فكرة أساسية مفادها أن إدارة المدن المليونية تتطلب نموذجا مؤسسيا يتجاوز حدود تقديم الخدمات البلدية التقليدية، ويستوعب تعقيدات المدينة الحديثة وتعدد مراكزها العمرانية. ويقوم هذا النموذج على توزيع الصلاحيات وفقا للاحتياجات المحلية، وربط المسؤولية بالنتائج، وتمكين الوحدات الإدارية من تطوير حلولها، مع المحافظة على التنسيق الاستراتيجي بين مكونات المدينة.
إن الاستفادة من تجربة حاضرة الدمام، إلى جانب المبادرات التنظيمية التي تشهدها مدن المملكة، تفتح المجال لتطوير نموذج سعودي لإدارة المدن المليونية، يستثمر مزايا اللامركزية ويعزز التنافسية المحلية والتكامل الحضري، بما يرفع جودة الحياة ويجعل الإدارة المحلية أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في المدن السعودية.
