عين زبيدة.. تساؤلات وردود
حسن عبدالعزيز مكاوي4 دقائق للقراءةحجم الخط
ارتبطت حكاية الماء في مكة المكرمة بالنساء، منذ تفجر ماء زمزم للسيدة هاجر، وصولا إلى مشروع عين زبيدة، أحد أبرز المعالم التاريخية والحضارية في مكة المكرمة، الذي صمد عبر القرون لنحو 1254 عاما، شاهدا على عظمة هذا المشروع وأثره الممتد. وقد ارتبط هذا المشروع بزبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي سخرت أموالها لخدمة حجاج بيت الله الحرام وتوفير الماء لهم عن طريق سحب عين نعمان من عرفات وعين حنين من الشرائع.
وبعد نحو ثمانية قرون، واصلت السلطانة مهرماه، ابنة السلطان العثماني سليمان القانوني، هذا العطاء، فأكملت مشروع إيصال مياه عين عرفات أو عين نعمان إلى مكة المكرمة، في أعمال استمرت نحو عشر سنوات، واكتملت عام 979هـ.
واستحضارا لهذا الإرث التاريخي وما يمثله من إبداع هندسي وعطاء حضاري في خدمة مكة المكرمة وحجاج بيت الله الحرام، ألقى الدكتور عمر سراج أبو رزيزة، مدير وحدة أبحاث إعادة إعمار عين زبيدة، محاضرة بعنوان: «عين زبيدة.. إبداع هندسي وعبق تاريخي وإرث حضاري ثقافي ومعلم سياحي»، مساء الأربعاء 30 سبتمبر 2026م، في قاعة الصفا بمركز جدة بارك، بتنظيم من مؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون.
وقد شهد اللقاء تفاعلا كبيرا من الحضور والمهتمين، لما يمثله موضوع عين زبيدة من أهمية تاريخية وحضارية، وما يجسده هذا المشروع من إبداع هندسي يعكس عناية المسلمين بسقيا الحجاج وخدمة قاصدي بيت الله الحرام. وأدار اللقاء الدكتور عدنان محمد الحارثي.
وعقب العرض المرئي الذي قدمه الدكتور عمر أبو رزيزة حول عين زبيدة، فُتح المجال لمداخلات الحضور وتعقيباتهم، وكانت أولى المداخلات للباحث الأستاذ بدر اللحياني، والتي أشار فيها إلى أهمية التحقق من المصادر التاريخية المبكرة عند الحديث عن عين زبيدة، موضحا أنه لا يجد في حدود ما اطلع عليه نصا صريحا لدى الأزرقي والفاكهي يشير إلى وجود عين عرفة، أو عين نعمان (عين زبيدة) في القرن الثالث الهجري، رغم إسهابهما في ذكر عين حنين التي أمرت زبيدة بسحبها إلى داخل مكة المكرمة.
ولم يتضح من رد المحاضر ما يجيب عن تساؤلات الأستاذ بدر اللحياني، الأمر الذي أبقى هذه التساؤلات مطروحة في أذهان الحضور، إلى أن جاءت مداخلة الباحث الشريف محمد بن منصور الفوزان، الذي قدم توضيحا حول أسباب عدم ورود ذكر عين عرفة في المصادر التاريخية المبكرة، مستندا إلى توقف مجرى العين عند المفجر قرونا طويلة، قبل أن يصل ماؤها إلى المسجد الحرام في القرن العاشر الهجري. وجاء رده على النحو الآتي:
«ذكر بعض الفضلاء ملاحظة دقيقة جدا، وهي أن كتب المتقدمين لم ترصد عين عرفات، وإنما جاء ذكرها في كتب المؤرخين بعد زمن الأزرقي والفاكهي.
والسبب في ذلك، أخي الكريم، أن عين نعمان توقفت في المفجر، ولم ينتفع بها المسجد الحرام حتى جاء القرن العاشر الهجري، في زمن السلطان سليمان، فأدخلها إلى الحرم المكي. فمن حينئذ أصبح لها ذكر في كتب التاريخ الإسلامي، وإلا فقبل ذلك لم تدخل حتى منى.
فقد كانت من الأوجر في بطن نعمان، ثم من الطريق السلطاني حضن، ثم دارت على قرن جبل الرحمة، ثم أخذت في سفح جبل الخطم عند أنصاب الحرم، ثم جاءت على نمرة عند طريق المأزمين، ثم بعد ذلك على وادي ضب، ثم على مزدلفة، ومن مزدلفة على المفجر. وتوقفت في المفجر قرابة 800 سنة، فبقيت 800 سنة وهي في الأوجر، ولم تدخل الحرم إلا في القرن العاشر الهجري. ولذلك لم تجد لها أي حظوة تاريخية في كتب المتقدمين، وإنما جاءت الحظوة التاريخية لها بعد أن دخلت المسجد الحرام، وأصبحت رافدا من روافد عين حنين.
وقد جاء في كتاب الأزرقي والفاكهي ذكر سقاية زبيدة في مزدلفة، عند مفضى المأزمين، عند ذكرهما لأميال الطريق من الحرم المكي إلى الموقف الشريف بعرفات. وهذا يدل دلالة واضحة على عين نعمان، وأنها من عمل السيدة زبيدة الهاشمية، ويدل على ما تقدم ذكره، والله أعلم».
ويظل عطاء السيدة زبيدة في توفير الماء شاهدا على فضلها في خدمة مكة المكرمة والحجاج. وإن غاب ذكر عينها عند الأزرقي والفاكهي، فإن ذلك لا ينفي وجودها، إذ يمكن الاستناد إلى المصادر التاريخية القريبة من الحدث ومرويات المؤرخين المعاصرين لهما، التي حفظت أخبار سقايتها وأثرها.
وتبقى مثل هذه اللقاءات الثقافية التي تنظمها مؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون، بحضور المثقفين والباحثين، من المنابر التي تثري المعرفة وتفتح آفاق النقاش حول تاريخنا وتراثنا.
وتذكرنا هذه الحوارات بأن الإنسان، مهما بلغ من العلم، قد تغيب عنه بعض المعلومات، وأن التواضع العلمي وحسن الاستماع وتقبل الدليل من شيم العلماء وأخلاق الباحثين.
makkawicom@
