صناعة الفرح ليست ترفاً عابراً، بل هي فن راقٍ يحتاج إلى تسويق مستحق لجودته المتناهية؛ تلك الجودة التي تقفز بالمشاعر إلى أقصى مدادها، وتستقر في نخاع المزاج، فيتحول كل ما في الإنسان إلى أرجوحة فرح تتسامى فوق أوجاع الدنيا وبؤسها. إن جرعات الفرح التي يصنعها البسطاء لا تتطلب أموالاً ولا مظاهر بذخ، بل هي نتاج ابتسامة نقية، ورغبة صادقة في المساعدة، ولمسة إنسانية تعيد للروح توازنها وسط هذا العالم المجهد.

لذا، أحرص دائماً على اختيار من يحيطون بي؛ بدءاً من حلاقي، ومفصل ثيابي، وصاحب البقالة في حيّي، وصولاً إلى أخص المقربين مني؛ أختارهم جميعاً من فئة "صانعي الفرح"، لأنني لا أقوى على التعامل مع المتجهمين الذين يثقلون الكاهل بجفافهم. أمام الفرح الحقيقي أبدو كطفل صغير لا يزال يحن للابتسامة البكر؛ أحبها وأطلبها أكثر من الحلوى، وأرى في التجهم والظلم اعتداءً قاسياً على براءة هذا الطفل الساكن في الأعماق.

تباً للحياة التعيسة تلك التي نستسلم فيها لضغوط العصر وبعداً للماديين الذين يقتحمون خصوصيتنا ويسرقون منا طمأنينتنا. لنعد إلى بساطتنا؛ ذلك الفردوس المفقود الذي يعيشه الحكماء في هذا الزمن لأنهم أدركوا جوهر الأشياء. إن الفرح قرار داخلي بالانحياز للجمال والاحتفاء بالبسطاء، لنعيش الحياة بقلب خفيف يسترد طفولته وشغفه مع كل إشراقة جديدة.

من شعري:
يُكَابِدُ قَلْبِي مَا يَضِيرُ وَيَحْمِلُ
بَقَايَا الأَمَانِي مُقْبِلاً يَتَجَمَّلُ
وَيَشْدُو خَيَالاً بِالأَغَانِي لَعَلَّهُ
يُقَابِلُ وَجْهاً فِي الدُّرُوبِ يُؤَمَّلُ
أَرَى فِي زَمَانِي كُلَّ يَوْمٍ نَقِيصَةً
وَأَكْمَلُ سَيْرِي وَاللَّيَالِي هَوْجَلُ
أُسَابِقُ عُمْرِي فَوْقَ خَيْلٍ سَرِيعَةٍ
كَأَنِّي وَخَيْلِي لِلْمَنِيَّةِ أَعْجَلُ
وَكَمْ مِنْ فَتًى عَاشَ الحَيَاةَ مَرَارَةً
وَذَاقَ السَّعَادَةَ يَوْمَ أَدْبَرَ يَرْحَلُ
غَرِيبٌ عَلَيْهَا عَابِرٌ فَوْقَ بَأْسِهَا
خَفِيفٌ كَمَا الغَيْمِ لِلْمَعَالِي مُقْبِلُ
أَلاَ أَيُّهَا الصَّبْرُ الَّذِي كُلُّ صَبْرِهِ
تَمَهَّلْ فَقَلْبِي بِالمَكَائِدِ أَجْهَلُ
وَسِرْ بِي سَرِيعاً لِلْمَعَالِي إنَّنِي
سَئِمْتُ انْتِظَارِي وَالخُلُودُ مُؤَجَّلُ