في ظل ما تشهده منطقتنا من متغيرات متسارعة وتحديات إقليمية متلاحقة، أصبحت مفاهيم السلامة وإدارة المخاطر أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومن وجهة نظري، فإن الحديث عن سلامة الإنشاءات اليوم لم يعد مقتصرًا على الجوانب الهندسية البحتة، بل أصبح جزءًا من الحديث عن الاستدامة والأمن المجتمعي والجاهزية للمستقبل.
ونحن في المملكة العربية السعودية نعيش مرحلة استثنائية من النمو والتطوير، حيث تتسارع المشاريع الكبرى وتتوسع المدن وتتعزز البنية التحتية وفق مستهدفات رؤية 2030. ومع هذا الحراك التنموي الضخم، أرى أن مسؤولية العاملين في القطاع الهندسي أصبحت أكبر من أي وقت مضى؛ لأن جودة ما نبنيه اليوم ستنعكس على حياة الأفراد لعقود قادمة.
لقد أثبتت الأحداث التي تمر بها بعض دول المنطقة أن قوة المنشآت لا تُقاس بجمال تصاميمها أو ضخامة استثماراتها فحسب، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار وحماية الأرواح عند مواجهة الظروف الطارئة والأزمات غير المتوقعة. لذلك فإن الالتزام بأكواد البناء، وإجراء تقييمات المخاطر، وتطبيق أعلى معايير الجودة والسلامة، لم يعد ترفًا هندسيًا بل ضرورة وطنية.
ومن واقع عملي واهتمامي بالمجال، أؤمن أن سلامة الإنشاءات تبدأ قبل صب أول متر مكعب من الخرسانة، وتستمر طوال دورة حياة المشروع. فكل قرار في التصميم، وكل إجراء في التنفيذ، وكل عملية تفتيش أو صيانة، هي استثمار مباشر في سلامة الإنسان قبل أي شيء آخر.
وما يدعو للفخر أن المملكة تواصل تعزيز منظومة البناء والتشييد من خلال التشريعات والرقابة الفنية ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا بأن التنمية الحقيقية لا تقتصر على بناء المشاريع، بل على بناء مشاريع آمنة وموثوقة ومستدامة.
وفي وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى المشاريع السعودية العملاقة، تبقى رسالتنا كمهندسين ومختصين واضحة: أن يكون كل مشروع يُنجز على أرض هذا الوطن نموذجًا للجودة والسلامة والجاهزية للمستقبل. فالبناء الناجح ليس ما يلفت الأنظار اليوم فقط، بل ما يحافظ على سلامة الناس ويخدمهم بثقة وكفاءة لسنوات طويلة.
سلامة الإنشاءات في زمن المتغيرات.. مسؤولية لا تحتمل التأجيل
محمد علي أبو ساق2 دقائق للقراءةحجم الخط
