مرَّ رسول الله ﷺ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني». رواه مسلم.

في هذا الموقف النبوي درس عظيم، يبيّن لنا أن الغش ليس مجرد عيب في السلعة، بل قد يكون في إخفاء الحقيقة عن المشتري، وحرمانه من معرفة ما يشتريه على حقيقته.

واليوم، ومع اتساع التجارة وتنوع وسائل التسويق، أصبحت الإعلانات تحيط بنا من كل جانب، ولا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات المعلنون في بعض الأحيان أكثر من المنتجات نفسها. ومع ذلك، لا يمكننا الحكم على الجميع؛ فالتسويق في أصله وسيلة مشروعة للتعريف بالمنتجات والخدمات التي يحتاج إليها المستفيد.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل كل ما يُعرض علينا يستحق أن نصدقه؟ وهل كل ما يُقال عن منتج أو خدمة يعكس حقيقتها؟

من حق كل صاحب عمل أن يسعى إلى زيادة مبيعاته وتحقيق الأرباح، وأن يعرّف الناس بما يقدمه، لكن هذا الحق لا يبرر المبالغة أو إخفاء الحقائق أو تقديم وعود لا يمكن الوفاء بها. فالإقناع الحقيقي لا يحتاج إلى تضليل، بل يقوم على عرض المزايا بصدق ووضوح.

قد يُعرض المنتج بصورة مثالية، وتُذكر له مزايا لا تتوافر فيه، أو تُقدَّم وعود بنتائج مضمونة دون دليل. وقد يشتري الإنسان بناءً على ما سمعه أو شاهده، ثم يكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا عما رُوِّج له.

وهنا لا تقتصر الخسارة على المشتري الذي دفع ماله مقابل ما لم يحصل عليه، بل تمتد إلى فقدان الثقة وتراجع المصداقية، وربما الإضرار بالآخرين بسبب الترويج لمعلومات غير صحيحة.

وقد يقع أحدنا في هذا الفخ دون أن يقصد الغش؛ حين ينقل ما سمعه عن منتج أو خدمة، أو يروّج لهما دون التحقق من صحة المعلومات. فحسن النية وحده لا يكفي دائمًا، بل لا بد من التحري والتثبت، خاصة حين يتعلق الأمر بأموال الناس وقراراتهم. وإذا اكتشفنا أننا نقلنا معلومة غير صحيحة، فإن تصحيحها مسؤولية لا ينبغي تجاهلها.

وقد حذّرنا القرآن الكريم من التطفيف في المعاملات، فقال الله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ۝ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [المطففين: 1-6]

تُبيّن هذه الآيات خطورة أن يستوفي الإنسان حقه كاملًا، ثم يُنقص حقوق الآخرين. وقد وردت في سياق التطفيف في الكيل والوزن، وفيها تذكير بمسؤولية الإنسان أمام الله يوم القيامة. وإن اختلفت صور الغش في زماننا، فإن الأمانة والعدل يظلان أساسًا للمعاملات؛ فلا يصح أن يُضلَّل المشتري أو تُخفى عنه عيوب تؤثر في قراره.

إن السعي إلى الربح أمر مشروع، وكلنا نطلب الرزق الحلال، لكن الأمانة تظل أساسًا لا ينبغي التنازل عنه في سبيل المكاسب.

وتذكّر أن وراء كل عملية بيع إنسانًا وضع ثقته بك، فحافظ على هذه الثقة، ولا تجعل رغبتك في الربح سببًا في خذلانه؛ فالثقة التي تُبنى بصدق قد تستغرق سنوات، لكن موقفًا واحدًا من الغش قد يهدمها.

فلا تجعل مكسبًا عابرًا يحرمك بركة رزقك، ولا تجعل ربح الدنيا سببًا لخسارة الآخرة؛ فحين يكون الربح مقرونًا بالغش والكذب، فذلك ربحٌ خاسر.