فطيم العِباد.. الموروث الشعبي ينتظر كتّابه
عبدالحليم البراك3 دقائق للقراءةحجم الخط
شابة صغيرة تواجه الحياة وحيدة إلا من قدر الله الذي لطف بها. لم تقس عليها ظروف الحياة وحدها، بل ناصبها كل ما حولها العداء: الناس، والحوادث، وحتى تلك الأشياء الصغيرة التي نظنها عابرة بدت في حياتها ذات أثر كبير. هكذا بدأت حياتها في إحدى بوادي «المذنب» في القصيم.
فطيم ليست الوحيدة التي كابدت الحياة، لكن الكاتبة «رياح إبراهيم» هي التي سجلت أحداثها في عمل قصصي من الموروث الشعبي، يحكي معاناة الناس في لحظات صعبة من عمر الإنسان في الجزيرة العربية. وهي لحظات ليست ببعيدة عنا زمنيا، في إشارة إلى أننا أبناء هذه الصحراء بحرّها وجفافها ورملها وصعوبة العيش فيها.
قصت رياح إبراهيم حكاية امرأة ولدت في ظروف صعبة، فقاومت الحياة بصلابة الرجال، وأنجبت الأبناء ورعت الأحفاد بقلب أنثى عاشقة للحياة من حولها. ولم تكتف فطيم بالنجاة فحسب، بل تركت من خلفها إرثا ممتدا من الأبناء والأحفاد والأسرة الكريمة، وهذا هو النجاح.
في زمن حافل بالأحداث، هو زمن الملك عبدالعزيز، رحمه الله، كانت أحداث هذه القصة تنسج وسط ألم متواصل، بينما كان الرجال يرافقون المؤسس في بناء الأرض. تفتقد فطيم والدها في غزواته فيرحل عن هذه الدنيا، في وقت هي أحوج ما تكون إليه، لكن الوطن كان بحاجة إليه أيضا.
تتولى فطيم رعاية ذويها، ثم تتزوج طلبا للخلاص، لكنها تتألم من هذه الزيجة فينقلب الخلاص عبئا، فتؤثر شظف العيش والخوف والوحدة والمسؤولية، وتعود إلى إخوتها للعناية بهم، وتكافح لتعيش وترعى غيرها.
وفي موضع لافت كتبت رياح إبراهيم «ورغم كبريائها الهائل وعزتها سكتت واكتفت بقرار ألا تطلب منه شيئا قط، فبعد كلمته هذه كرهته وما عادت تطيقه لكنها صبرت واحتسبت، وهذا أيضا ما قامت عليه بيوت العرب في العصور السابقة». هذه الجملة المفتاحية لحياة المرأة في ذلك الوقت، وهذا ما عبّرت فيه رياح إبراهيم عن حياة فطيم العباد.
غير أن الدهشة الحقيقية ليست هنا، بل في نقطة التحول الكبيرة في هذا العمل الصغير حجما، حين تشير الكاتبة إلى بطلة القصة بعبارة «أنها قالت لي!»، وهذا يعني أنها قصة حقيقية. ثم تفاجئني، كقارئ، بأنها لا تعرفها فحسب، بل هي جدتها لأبيها، التي رحلت عن هذه الدنيا مؤخرا، فيزداد وقع القصة في نفسي.
وفي الوقت نفسه، لا يخلو هذا العمل الأدبي من قفزات زمنية تربك القارئ أحيانا، ومن لغة شعبية أقرب في لحظات إلى حديث النفس والقص الشعبي. كما أن شخصية الكاتبة تداخلت قليلا مع شخصية البطلة، وتفهمت ذلك حين بلغت نهاية النص المدهش.
هذا استعراض سريع لقصة «فطيم العباد» للكاتبة رياح إبراهيم. ولأن العمل يصنف ضمن توثيق الموروث الشعبي الأدبي، فقد استطاعت الكاتبة، بلغة شعبية راقية، أن ترفع ذائقة المتلقي معها إلى مستوى الكاتب، لتوجه رسالة مفادها: في الموروث الشعبي ثراء قصصي كبير، وأماكن غنية، وأحداث تستحق التوثيق، لا بوصفها واقعة تاريخية فحسب، بل بوصفها حدثا يشبه الملاحم الشعبية الأدبية.
إن هذه الأرض غنية بأحداثها العظيمة والصغيرة، بالهامش والمتن، بالقصة والرواية، بالمكان والزمان، بالشخوص الروائية واللغة المعبرة. وهذا الموروث لا ينتظر معجزة أدبية وثقافية كي يحضر في مخيلة الأجيال الجديدة، بل ينتظر كتّابا يعيدون اكتشافه وصناعته من جديد. كما أن دور النشر والصحافة تحتاج إلى مزيد من العناية بموروثنا الشعبي.
Halemalbaarrak@
