الحرب مع إيران تستنزف الأولوية العسكرية الأمريكية: هل حان وقت إعادة تقييم الأمن السعودي؟
عبدالله قاسم العنزي3 دقائق للقراءةحجم الخط
لا تقاس قوة التحالفات الاستراتيجية بما تعلنه من التزامات في أوقات الاستقرار، بل بقدرتها على الصمود حين تتعدد جبهات الصراع وتتعارض الأولويات، والحرب مع إيران تضع الولايات المتحدة أمام اختبار معقد، يتمثل في قدرتها على إدارة المواجهة مع طهران، مع الاستمرار في توفير الردع والحماية لحلفائها في الخليج.
وإن انشغال واشنطن بصراع واسع مع إيران يفرض ضغوطا على مواردها العسكرية وأولوياتها السياسية والاقتصادية، في ظل تعدد متطلبات الانتشار البحري والجوي، والحاجة إلى الذخائر وأنظمة الدفاع، ولا يعني ذلك بالضرورة عجزها عن الوفاء بالتزاماتها، لكنه يكشف أن القدرة على التدخل العسكري لا تعني بالضرورة الاستعداد لتوظيفها في كل جبهة، أو وفق التوقيت الذي يراه الحليف ضروريا.
وتبرز هنا الفجوة المحتملة بين المصالح الأمريكية والأمن السعودي؛ فبينما قد تعطي واشنطن الأولوية لحماية قواتها ومصالحها المباشرة، تنظر المملكة إلى التهديد من زاوية أشمل، تشمل سلامة أراضيها، وأمن منشآتها النفطية ومطاراتها، واستمرار صادراتها، وحماية طرق تجارتها. وعندما تتباين تقديرات الحلفاء لطبيعة التهديد وحدود الاستجابة المطلوبة، تصبح فاعلية التحالف مرهونة بما يتجاوز التصريحات السياسية إلى القدرة الفعلية على حماية المصالح.
ويجسد باب المندب والبحر الأحمر جانبا من هذه المعادلة؛ فتهديد الملاحة يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤثر في أمن إمدادات الطاقة وفاعلية مسارات التصدير، ومع تزامن المخاطر في البحر الأحمر والخليج، تزداد أهمية امتلاك المملكة خيارات استراتيجية ولوجستية تقلل تعرض اقتصادها للضغوط الناجمة عن اضطراب الممرات البحرية.
ولا يكفي التحفظ الأمريكي عن توسيع العمليات العسكرية للحكم بأن واشنطن تخلت عن المملكة؛ فقد يرتبط ذلك بحسابات الموارد، وتجنب الاستنزاف، وتقدير كلفة المواجهة ونتائجها. غير أن هذه الاعتبارات تفرض على الرياض مراجعة فاعلية ترتيباتها الأمنية، وألا تجعل حماية مصالحها الحيوية رهينة لتقدير حليف، مهما بلغت أهمية الشراكة معه.
ومن وجهة نظري، تبرز ضرورة إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية السعودية، وفي مقدمتها تعميق الشراكة مع سلطنة عمان. فالمملكة تمتلك بالفعل منفذا بريا يربطها بعمان، لكن الأهمية الاستراتيجية تتجاوز حركة التجارة التقليدية إلى دراسة إنشاء منظومة لوجستية متكاملة، تشمل تطوير الممرات البرية، والربط بالسكك الحديدية، وبحث جدوى مد خطوط أنابيب لنقل النفط إلى موانئ عمانية مطلة على بحر العرب، بما يتيح منفذا إضافيا للصادرات يتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب بالنسبة إلى الشحنات المتجهة شرقا.
وقد طرحت فكرة خط الأنابيب السعودي العماني في السابق، وتمنح التحولات الراهنة إعادة دراستها أهمية متزايدة. فهذه المشروعات تعزز المرونة الاستراتيجية وتنويع طرق الإمداد والتصدير، لكنها تتطلب دراسة الجدوى الاقتصادية والتكاليف والاحتياجات الفنية والاعتبارات الأمنية، فضلا عن الاتفاقات اللازمة مع الجانب العماني.
ولا تنفصل هذه الخيارات اللوجستية عن ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وتطوير الصناعات العسكرية، ورفع كفاءة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري، وتنويع الشراكات الدفاعية. فالمطلوب ليس استبدال الاعتماد على واشنطن أو الحلفاء الآخرين بالاعتماد على طرف آخر، وإنما توسيع هامش القرار السعودي، وبناء منظومة أمنية متعددة الركائز تجمع بين الشراكات الدولية والتنسيق الخليجي، مع إعطاء الأولوية لبناء القدرات الدفاعية الذاتية وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للمملكة.
وفي عالم السياسة، تظل المصالح المتغيرة عاملا حاسما في قرارات القوى الكبرى، ولا يمكن بناء استراتيجية أمنية على افتراض تطابق تلك المصالح في جميع الظروف. كما أن اختلاف الأولويات بين واشنطن والرياض لا يكشف وحده حقيقة ما قد يجري من تفاهمات أو ترتيبات بين واشنطن وطهران، سواء أكانت معلنة أم غير معلنة؛ فالعلاقات الدولية لا تدار دائما وفق ما يظهر في الخطاب السياسي. ومن هنا، تفرض الحسابات الاستراتيجية على المملكة الاستعداد لمختلف الاحتمالات، وألا تجعل أمنها مرهونا بتفسير واحد لنوايا الأطراف أو بضمان استجابتها عند الأزمات.
وإن إعادة تقييم الأمن السعودي لا تعني التخلي عن التحالفات، بل الانتقال من التعويل على الالتزامات المعلنة إلى امتلاك خيارات عملية تحمي المصالح الوطنية مهما تبدلت الظروف. فالدولة التي تنوع منافذها، وتعزز قدراتها، وتوسع شراكاتها، لا تنتقص من قيمة حلفائها، بل تعزز استقلال قرارها وتحد من قدرة الآخرين على التأثير في خياراتها الاستراتيجية.
expert_55@
