عزيزي القارئ، فكر في المقلاة التي لا يلتصق بها الطعام، أو السترة التي لا ينفذ إليها الماء، أو العبوة التي لا يتسرب منها الزيت. وراء هذه المزايا رابطة كيميائية شديدة القوة بين الكربون والفلور. كانت قوتها يوما مصدر فخر للصناعة، لأنها جعلت المواد مقاومة للماء والحرارة والدهون. واليوم أصبحت السبب في تسميتها «المواد الكيميائية الأبدية forever chemicals».
اسمها العلمي هو المواد البيرفلورية ومتعددة الفلور، المعروفة اختصارا بـPFAS. وهي عائلة تضم آلاف المركبات، وتدخل في أواني الطهي غير اللاصقة، والملابس المقاومة للماء، وعبوات الطعام، ومستحضرات التجميل، والأجهزة الطبية، وصناعة أشباه الموصلات، ورغوات مكافحة حرائق الوقود.
المشكلة أن هذه المواد لا تتحلل بسهولة. فهي تبقى في التربة والمياه والأنهار ومحطات الصرف، ويمكن أن تتراكم في أجسامنا. وقد عثر عليها أيضا في جليد القطب الشمالي، وفي كبد الدببة القطبية، وفي دم معظم الأشخاص الذين خضعوا للفحوصات حول العالم. كأن كل إنسان يحمل أرشيفا كيميائيا صغيرا من هذه المواد.
ما أثر هذا الأرشيف في الصحة؟ الأدلة ليست متساوية القوة، لكنها تثير القلق. أكثر العلاقات ثباتا تشمل ارتفاع الكوليسترول، واضطراب هرمونات الغدة الدرقية، وضعف استجابة الأجسام المضادة للقاحات الأطفال، وارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، وانخفاض وزن المولود، وزيادة مخاطر سرطان الكلى والخصية عند التعرضات الأعلى. تأتي هذه النتائج من دراسات رصدية ومهنية، لأن تعريض البشر لهذه المواد عمدا في تجربة أمر غير أخلاقي. ومع ذلك، تكررت الإشارات في مجموعات سكانية مختلفة على مدى سنوات طويلة.
في أبريل 2024، وضعت الولايات المتحدة أول حدود قانونية ملزمة لستة مركبات من هذه العائلة في مياه الشرب. وكان الحد للمادتين الأكثر دراسة أربعة أجزاء في التريليون، وهي كمية شديدة الصغر. وفي مايو 2026، طرحت تعديلات تبقي الحدين الرئيسيين، مع إمكان تمديد مهلة بعض شبكات المياه إلى عام 2031، وتقترح إلغاء أربعة معايير أخرى لأسباب إجرائية. وأغلق باب التعليقات العامة في 20 يوليو 2026. لم تتغير الكيمياء خلال عامين، لكن تكلفة الامتثال أصبحت جزءا أكبر من النقاش.
في أوروبا عزيزي القارئ، يحث خيار أوسع: تقييد عائلة كيميائية كاملة بدل حظر مركب واحد في كل مرة. هذا مهم لأن تنظيم مادة واحدة قد يدفع الصناعة إلى استبدالها بمركب قريب أقصر سلسلة لم يدرس جيدا بعد، ثم يسوق على أنه أكثر أمانا. وبهذه الطريقة انتقل العالم من جيل إلى آخر من المركبات من دون حل المشكلة الأصلية.
أين تقف السعودية وأين يقف الخليج العربي؟ لدينا ميزة مهمة، وهي الاعتماد الواسع على تحلية المياه، فالتحلية بالتناضح العكسي أو التقطير الحراري من الطرق القادرة على إزالة نسبة كبيرة من هذه المركبات، ولذلك قد تكون مياه الشرب لدينا أفضل من مياه مناطق تعتمد على أنهار تمر بأحواض صناعية.
لكن الماء ليس الطريق الوحيد للتعرض. تصل هذه المواد من المنتجات المستوردة، وتغليف الطعام، ومستحضرات التجميل، والمنسوجات المعالجة، ورغوات الإطفاء المستخدمة في المطارات والمنشآت البتروكيميائية. ولا تتوافر لدينا صورة وطنية واضحة للمواقع التي استخدمت فيها هذه الرغوات أو للتركيزات الموجودة في دم السكان.
المشكلة هنا ليست مستحيلة الحل. فوجود برنامج وطني للرصد الحيوي يعتمد على آلاف العينات مجهولة الهوية ويستمر عدة سنوات، يمكن أن يوضح مستويات التعرض والفئات الأكثر تأثرا. كما يمكن رسم خرائط للمواقع الصناعية ومناطق التدريب على الإطفاء، ثم مراقبة المياه والتربة المحيطة بها.
أخيرا عزيزي القارئ، الدرس الأهم ليس أن الصناعة صنعت مادة سيئة عمدا، بل أن الخاصية التي صممت لتمنح المنتج عمرا طويلا تحولت إلى عبء طويل الأمد.
صنعنا جزيئات كي لا تنكسر، ثم فوجئنا بأنها بقيت بعد أن اختفى المنتج نفسه.
nabilalhakamy@
المواد الكيميائية الأبدية: ما لا يتحلل يعود إلينا
نبيل عبدالحفيظ الحكمي3 دقائق للقراءةحجم الخط
