في خضمّ التحديات الكبرى والمحن، تتكشف معادن الشعوب، وتظهر الأصالة في أصدق صورها، وتسقط الأقنعة التي تخفي حقيقة الانتماء. وما تعيشه مملكتنا الغالية في ظل الاعتداءات الإجرامية التي تشنّها الميليشيات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستهدفةً الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، لم يزد الشعب السعودي ذلك إلا إيمانًا وثباتًا وتلاحمًا. فهذه الأرض التي قامت على الوحدة، وترسخت ركائزها بتضحيات الآباء والأجداد، لا تُرهبها التهديدات، ولا تنال من عزيمة أبنائها محاولات المساس بأمنها واستقرارها.
لقد طالت هذه الاعتداءات مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك فهد الدولي بالدمام، وخلّفت شهداء ومصابين، لتكشف خطورة استهداف المنشآت المدنية وما يترتب عليه من آلام وخسائر. فالشهداء ليسوا أرقامًا عابرة في الأخبار، بل أرواح عزيزة وأسر فقدت أحبابها، وتضحيات ستظل حاضرة في ذاكرة الوطن. وأمام ألم الفقد ومرارة الاعتداء، يقف الشعب السعودي ثابتًا، متمسكًا بوطنه وأمنه، مؤمنًا بأن المحن لا تزيد أبناء هذه الأرض إلا وفاءً واعتزازًا بها.
ولعل موقف ابنتنا البطلة، موظفة مطار الملك خالد الدولي عبير العجمي، يجسّد أروع أمثلة الشجاعة وتحمل المسؤولية؛ إذ واصلت إرشاد المسافرين وتوجيههم إلى مخارج الإخلاء والأماكن الآمنة أثناء إخلاء المطار. لقد قدّمت موقفًا مشرّفًا يعكس ثبات المرأة السعودية وإخلاصها في أداء واجبها، ويؤكد أن البطولة لا تقتصر على ميدان دون آخر، بل تظهر حيثما استدعت المسؤولية حضورها. وليست هذه البسالة إلا غيضًا من فيض المواقف المشرفة التي سطّرها أبناء هذا الشعب وبناته.
ولا يكتمل الحديث عن الفداء دون استحضار جنودنا البواسل المرابطين على حدود الوطن، وأبطال قوات الدفاع الجوي الذين يتصدّون للتهديدات والصواريخ والمسيّرات الغادرة. رجالٌ يسهرون لتنام العيون آمنةً مطمئنة، ويؤدون واجبهم في ظروف بالغة الصعوبة، دفاعًا عن أمن المملكة وسيادتها. ومهما بلغت الكلمات من بلاغة، فلن تفي هؤلاء الرجال حقهم، ولن تختصر حجم ما يقدمونه من جهود وتضحيات في سبيل وطنهم.
والدفاع عن الوطن ليس مجرد عاطفة تسكن القلوب، أو شعار يُرفع في أوقات الشدة، بل واجب نصّ عليه النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية؛ إذ جاء في المادة الرابعة والثلاثين: «الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن واجب على كل مواطن، ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية».
ويؤكد هذا النص أن الانتماء إلى الوطن مسؤولية وواجب، لا يقتصر أداؤه على الميدان العسكري، بل يشمل كل مواطن يؤدي دوره في المحافظة على أمن المجتمع، والالتزام بالأنظمة، ومساندة المتضررين، وصون مكتسبات الدولة. فالدفاع عن الوطن تتكامل فيه الأدوار، ويصبح كل عمل مخلص في سبيل حمايته وخدمة أبنائه صورة من صور الوفاء له.
وفي مشهد يبعث على الفخر والاعتزاز، تجلّت معاني التلاحم الوطني في مبادرة التبرع بالدم التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، إذ بادر ولي العهد بالتبرع، فكان قدوة في البذل والعطاء، واقتدى به أبناء الشعب السعودي وبناته، فتسابقوا إلى التبرع بالدم دعمًا للمصابين ووقوفًا إلى جانبهم في محنتهم. ولم تكن هذه المبادرة مجرد استجابة لحاجة طبية، بل رسالة تعبّر عن عمق الترابط بين القيادة والشعب، وعن وطن تتحول فيه المحبة إلى عمل، والانتماء إلى عطاء، والوفاء إلى مواقف تُثبت صدقه.
وفي هذا التلاحم نستحضر قول رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». رواه البخاري ومسلم.
فحين يتألم أحد أبناء المجتمع، يجد من يسانده ويقف إلى جانبه؛ وحين يبادر القائد، يستجيب الشعب بروح الوفاء والتكاتف. وهكذا تتجلى قوة المجتمع السعودي في تلاحمه وتراحمه، إذ لا تفرّقه المحن، بل تزيده تعاضدًا، وتكشف أصالة معدنه وصدق انتمائه.
إن من أوهام الأعداء ورهاناتهم الخاسرة محاولة الفصل بين الشعب وقيادته، والترويج للمقولة: «مشكلتنا مع حكومتكم وليست معكم». وهي مغالطة تتجاهل حقيقة ارتباط أمن الوطن بحياة أبنائه ومستقبلهم. فنحن السعوديين لا ننظر إلى استقرار المملكة باعتباره شأنًا منفصلًا عنا؛ فهذا وطننا، وهذه أرضنا، وهذا مستقبلنا الذي نحرص على صونه. إن أمن المملكة وسيادتها واستقرارها مصالح وطنية جامعة، وأي اعتداء يهددها أمر مرفوض، لا تبرره الشعارات ولا تغيّر من حقيقته الادعاءات.
السعودية كلها يد واحدة، تقف خلف قيادتها الرشيدة، وتعتز بتاريخها، وتحمل مسؤولية مستقبلها. هذه الأرض الطيبة قامت على تضحيات أسلافنا الذين تعاهدوا على رفعتها وعزتها، ونحن على العهد ذاته باقون؛ نجدد الولاء والبيعة لقيادتنا، ونتمسك بوحدتنا الوطنية، ونؤمن بأن قوة المملكة لا تقوم على إمكاناتها وحدها، بل كذلك على وعي أبنائها وتكاتفهم وإخلاصهم.
سنظل نعتز بأرضنا، ونفخر بأبنائنا وبناتنا، ونذكر شهداءنا بكل وفاء، وندعو لمصابينا بالشفاء، ولجنودنا ومرابطينا بالحفظ والنصر. ونسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية أرضًا وسماءً، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان، وأن يردّ عنها كل سوء، وأن تبقى رايتها عالية، وعزتها راسخة، ووحدتها عصية على كل من يحاول المساس بها.
نجدد العهد بأن نبقى أوفياء لهذه الأرض، متمسكين بوحدتها، معتزين بقيادتها، ومستعدين لخدمتها كلٌّ من موقعه؛ فحب الوطن فعل ومسؤولية قبل أن يكون قولًا وشعارًا.
وأنا السعودية عيالي فداها
إلانه موفق النويصر4 دقائق للقراءةحجم الخط
